تراجع أسواق الأسهم الآسيوية وارتفاع النفط يعيدان اختبار قدرة الاقتصاد الإماراتي والأسواق الخليجية على امتصاص صدمات التوترات الجيوسياسية

موقع أيام نيوز

تشهد الأسواق العالمية نهاية أغسطس حالة من الحذر، بعد عودة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط إلى واجهة المشهد الاقتصادي، بالتزامن مع التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران وتراجع عدد من أسواق الأسهم الآسيوية وارتفاع أسعار النفط، وهو ما يضع اقتصادات الخليج، وفي مقدمتها الإمارات، أمام اختبار جديد لقدرتها على التعامل مع صدمات تجمع بين اضطراب أسواق الطاقة وعدم اليقين في التجارة والاستثمار.

فقد شهدت الأسهم الآسيوية بداية أسبوع متقلبة مع اتجاه المستثمرين إلى تقليص المخاطر، وتراجعت مؤشرات في اليابان وكوريا الجنوبية والصين، بينما امتد الحذر إلى العقود الآجلة للأسهم الأميركية والأوروبية. وجاء ذلك بالتزامن مع ارتفاع خام برنت بنحو 2.8% إلى قرابة 90.60 دولارًا للبرميل، في حين صعد الخام الأميركي بأكثر من 2%، وسط مخاۏف من اتساع نطاق المواجهة وتأثيرها في حركة الطاقة بالمنطقة.

ولا يمثل ارتفاع النفط في هذه الحالة مكسبًا خالصًا للدول الخليجية المنتجة. صحيح أن ارتفاع الأسعار عادة ما يدعم الإيرادات الحكومية ويوفر مساحة أكبر للإنفاق والاستثمار، لكن عندما يكون صعود الخام نتيجة أزمة عسكرية فإن الصورة تصبح أكثر تعقيدًا، إذ يمكن أن ترتفع تكاليف التأمين والشحن وتتراجع حركة السفن وتتعرض سلاسل التوريد للاضطراب. وهنا تتوزع آثار الصدمة بين إيرادات إضافية محتملة وتكاليف اقتصادية قد تكون أكبر إذا طال أمد الأزمة.

وتزداد أهمية الوضع مع استمرار مراقبة حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل ممرًا رئيسيًا لنقل النفط والغاز. فأي اضطراب طويل في حركة الناقلات قد يدفع الأسواق إلى رفع علاوة المخاطر، ليس فقط على أسعار الطاقة وإنما أيضًا على تكاليف الوقود والنقل والتصنيع والغذاء.

أما الإمارات فتدخل هذه المرحلة من موقع مختلف نسبيًا، بعدما نجحت خلال السنوات الماضية في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا يشمل التجارة والخدمات المالية والسياحة والعقارات والطيران والنقل والخدمات اللوجستية. ويمنح هذا التنوع الدولة قدرة أكبر على امتصاص تقلبات أسعار النفط، لكنه لا يجعلها بمنأى عن تداعيات الأزمات الإقليمية، خاصة أن قطاعات مهمة من اقتصادها ترتبط بحركة التجارة والسفر والموانئ والاستثمارات العالمية.

وقد انعكست التوترات بالفعل على أداء أسواق أبوظبي ودبي خلال أغسطس، إذ تحركت المؤشرات تحت تأثير أخبار الصراع الأميركي الإيراني وتطورات مضيق هرمز. وفي بعض الجلسات غلب الحذر على المستثمرين رغم ارتفاع النفط، وهو ما يؤكد أن العلاقة بين أسعار الخام والأسهم الخليجية لا تكون دائمًا مباشرة خلال الأزمات.

ويضاف إلى ذلك عامل آخر يتمثل في السياسة النقدية الأميركية. فارتفاع توقعات التضخم بسبب الطاقة، إلى جانب التصريحات المتشددة من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، أعادا الأنظار إلى احتمال استمرار الفائدة المرتفعة خلال سبتمبر. وتكتسب هذه التطورات أهمية بالنسبة إلى الأسواق الخليجية بسبب ارتباط عدد من عملاتها بالدولار، ما يجعل تغير الفائدة الأميركية مؤثرًا في تكلفة الاقتراض والسيولة وأسعار الأصول.

وتضع التطورات الحالية استراتيجية التنويع الاقتصادي في الخليج أمام اختبار حقيقي، فالمسألة لا تتعلق فقط بزيادة مساهمة القطاعات غير النفطية، وإنما بقدرتها على الحفاظ على نشاطها أثناء الأزمات. وفي الإمارات ستكون التجارة والسياحة والطيران والخدمات واللوجستيات من أبرز القطاعات التي تستحق المتابعة، خصوصًا مع استمرار أهمية الدولة كمركز إقليمي وعالمي.

ولهذا لن يعتمد أداء الأسواق الإماراتية والخليجية خلال المرحلة المقبلة على النفط وحده، بل ستؤثر أيضًا حركة الناقلات والشحن والتأمين، واستقرار الطيران والموانئ، ومسار المفاوضات، إلى جانب اتجاه الفائدة الأميركية. وإذا تمكنت القطاعات غير النفطية من الحفاظ على زخمها، فقد تساعد عائدات الطاقة في توفير وسادة مالية لامتصاص جزء من آثار الأزمة.

أما إذا امتدت الاضطرابات إلى التجارة والملاحة والتمويل لفترة طويلة، فقد تصبح الكلفة أكثر وضوحًا حتى بالنسبة إلى الاقتصادات الأكثر تنوعًا. وفي النهاية، فإن صعود النفط وتراجع الأسهم الآسيوية ليسا حدثين منفصلين عن الخليج، بل جزء من سوق عالمية مترابطة، وسيكون الحفاظ على ثقة المستثمرين ومرونة الاقتصاد العامل الأهم في تحديد قدرة الإمارات والأسواق الخليجية على تجاوز هذه المرحلة.

تم نسخ الرابط