تقارير دولية ترسم مسارًا أكثر تماسكًا للجنيه المصري مع استمرار قوة التحويلات وتراجع حساسية الاقتصاد لارتفاع أسعار النفط
يبدو أن الجنيه المصري يدخل المرحلة المقبلة بقدرة أكبر على التعامل مع الضغوط الخارجية، في ظل تحسن مصادر النقد الأجنبي واستمرار التدفقات القادمة من المصريين العاملين بالخارج. ورغم أن أسعار النفط والتوترات الجيوسياسية لا تزال تمثل مصدر قلق للاقتصاد، فإن التقديرات الدولية تشير إلى أن تأثير هذه المخاطر على سوق الصرف لم يعد بالحدة نفسها التي كانت متوقعة في بداية الأزمة.
وتستند هذه النظرة إلى مجموعة من العوامل المتزامنة، أبرزها الارتفاع الكبير في تحويلات المصريين بالخارج، وتحسن قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمارات الأجنبية، إلى جانب استمرار العمل بنظام أكثر مرونة لسعر الصرف. وقد ساعدت هذه العناصر على تقليص الفجوة بين احتياجات مصر من العملات الأجنبية ومصادرها، ومنحت الجنيه مساحة أكبر للتحرك دون التعرض لضغوط مفاجئة.
ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه الاقتصاد المصري اختبارًا صعبًا بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة والاضطرابات الإقليمية. فارتفاع أسعار النفط يمثل ضغطًا مباشرًا على مصر باعتبارها مستوردًا صافيًا للطاقة والغذاء، إذ تؤدي زيادة تكلفة الواردات إلى ارتفاع الحاجة إلى الدولار، وهو ما يمكن أن ينعكس على الاحتياطيات وسعر العملة.
لكن التقييمات الأخيرة لصندوق النقد الدولي ومورغان ستانلي ترسم صورة أكثر توازنًا، بعدما تمكن الاقتصاد المصري من امتصاص جانب كبير من تداعيات صدمة الطاقة والاضطرابات الإقليمية، دون الانزلاق إلى أزمة سيولة خارجية بالشكل الذي كان يخشاه البعض. وهنا لا يعتمد تأثير النفط على مستوى الأسعار وحده، وإنما على قدرة مصر في الوقت نفسه على توفير مصادر أخرى للنقد الأجنبي، مثل التحويلات والسياحة والاستثمار.
وتظل تحويلات المصريين العاملين بالخارج أحد أهم مصادر الدعم للجنيه، خصوصًا بعد عودة جزء كبير من هذه الأموال إلى القنوات المصرفية الرسمية مع تحسن ظروف سوق الصرف وتراجع الفجوة بين الأسعار الرسمية والموازية. وقد رفع مورغان ستانلي توقعاته للتحويلات خلال السنة المالية 2026-2027 إلى نحو 43 مليار دولار، مقارنة بتقدير سابق بلغ 38 مليار دولار.
وتكتسب هذه التدفقات أهمية خاصة لأنها تمثل مصدرًا متكررًا للعملة الأجنبية، يساعد على تلبية احتياجات السوق من الدولار ويخفف الضغط على الاحتياطيات. كما أن استمرارها عند مستويات مرتفعة يمنح السلطات النقدية مساحة أكبر للتعامل مع تقلبات الأسواق العالمية.
ولا يعني ذلك أن النفط فقد تأثيره. فإذا استمرت أسعار الطاقة المرتفعة لفترة طويلة، فقد تتعرض الحسابات الخارجية لضغوط أكبر، لكن قوة التحويلات والاستثمار الأجنبي ومصادر النقد الأخرى توفر قدرًا من التعويض. ولهذا أصبحت العلاقة بين النفط والجنيه أقل مباشرة مقارنة بسنوات سابقة.
وتعكس السيناريوهات الدولية هذا الأمر بوضوح، إذ يمكن أن يتحرك الدولار أمام الجنيه في نطاق يقارب 46 إلى 48 جنيهًا إذا تحسنت الأوضاع الإقليمية وانخفضت أسعار النفط، بينما يضع السيناريو الأساسي السعر قرب 48 إلى 50 جنيهًا. وفي حال استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع الاستثمار، فقد يصل الدولار إلى نحو 50 إلى 52 جنيهًا. والمهم هنا أن السيناريو السلبي لا يفترض انهيارًا مفاجئًا للعملة، بل تراجعًا تدريجيًا يمكن للاقتصاد استيعابه.
في النهاية، يبدو أن الجنيه المصري لا يزال معرضًا للتقلب، لكنه أصبح أكثر قدرة على تحمل الصدمات الخارجية. فمستقبله لن يتحدد بسعر النفط وحده، وإنما بمدى استمرار التحويلات والاستثمارات والسياحة وتدفقات النقد الأجنبي. وإذا حافظت مصر على قوة هذه المصادر، فقد يظل الجنيه ضمن نطاق أكثر استقرارًا، حتى مع استمرار التوترات الإقليمية، ليصبح أي تراجع محتمل أقرب إلى التحرك التدريجي منه إلى الصدمة المفاجئة، ما لم تتعرض مصادر النقد الأجنبي الرئيسية لاضطراب متزامن وطويل الأمد.