خبراء يرصدون مسار الجنيه المصري خلال الفترة المقبلة بين قوة التدفقات الدولارية وضغوط التضخم وسياسات الفائدة
يدخل الجنيه المصري المرحلة المقبلة وسط حالة من الترقب في الأسواق، بعدما أصبح استقرار العملة المحلية مرتبطًا بصورة أكبر بقدرة الاقتصاد على الحفاظ على تدفقات النقد الأجنبي، وفي الوقت نفسه السيطرة على معدلات التضخم التي قد تحد من قدرة البنك المركزي على مواصلة خفض أسعار الفائدة.
ورغم الاستقرار النسبي الذي شهدته سوق الصرف خلال الفترة الأخيرة، فإن ذلك لا يعني انتهاء الضغوط على الجنيه، إذ لا تزال العملة المحلية تتأثر بعدة عوامل داخلية وخارجية، من بينها أسعار الطاقة عالميًا، وحركة الاستثمارات الأجنبية، وتحويلات المصريين بالخارج، وإيرادات السياحة وقناة السويس، إلى جانب اتجاهات السياسة النقدية في مصر والولايات المتحدة.
وبحلول يوم 31 أغسطس 2026، استقر سعر الدولار في السوق المصرفية المصرية بالقرب من مستوى 50 جنيهًا، وسجل السعر الرسمي لدى البنك المركزي المصري نحو 50.45 جنيه للشراء و50.49 جنيه للبيع، مقارنة بنحو 49.74 جنيه للشراء و49.88 جنيه للبيع في بداية الشهر. ويعكس هذا التحرك استقرارًا نسبيًا مع وجود مساحة محدودة للتذبذب، خصوصًا مع تغير تكاليف الاستيراد أو تأثر التدفقات الدولارية بالتطورات الإقليمية والدولية.
وتظل قدرة مصر على توفير العملات الأجنبية العامل الأهم في تحديد مدى استقرار الجنيه، خاصة مع وصول الاحتياطيات الدولية إلى مستويات قياسية خلال الفترة الماضية، وهو ما يمنح القطاع المصرفي هامش أمان أكبر لتلبية احتياجات الشركات والمستوردين والمستثمرين من الدولار.
وتتنوع مصادر النقد الأجنبي بين تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وعائدات السياحة، والاستثمارات الأجنبية، والصادرات، وإيرادات قناة السويس. وتكتسب التحويلات والسياحة أهمية خاصة باعتبارهما من مصادر التدفقات المتكررة، بينما يمكن لتحسن حركة الملاحة في قناة السويس أن يضيف موردًا مهمًا للعملات الأجنبية بعد الضغوط التي تعرضت لها إيرادات القناة نتيجة اضطرابات البحر الأحمر.
لكن في المقابل، لا يزال التضخم يمثل تحديًا واضحًا أمام الاقتصاد المصري، فقد ارتفع التضخم السنوي في المدن إلى 14.9% خلال يوليو 2026 مقابل 14.3% في يونيو، بينما صعد التضخم الأساسي إلى 14.7% مقارنة بـ14.3% في الشهر السابق. وجاء هذا الارتفاع بعد فترة من التحسن التدريجي، ليعيد المخاۏف من استمرار الضغوط السعرية لفترة أطول.
ولهذا قرر البنك المركزي المصري في اجتماعه خلال أغسطس الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، ليستقر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19% والإقراض عند 20%. ويعكس القرار رغبة في مراقبة تطورات التضخم وسوق الصرف قبل اتخاذ خطوة جديدة بشأن الفائدة، خاصة أن ارتفاعها نسبيًا يساعد في الحفاظ على جاذبية الأصول المقومة بالجنيه للمستثمرين، وإن كان استمرارها عند مستويات مرتفعة يرفع تكلفة الاقتراض ويضغط على الاستثمار والاستهلاك.
أما بالنسبة للفترة المقبلة، فلا تبدو المؤشرات الحالية كافية للحديث عن اتجاه حاسم للجنيه، فهناك عوامل تدعمه مثل قوة الاحتياطيات وتحسن بعض مصادر النقد الأجنبي، في حين يمكن للتضخم والتوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة أن تعيد الضغوط على العملة.
وبالتالي، يبدو السيناريو الأقرب في الوقت الراهن هو استمرار تحرك الدولار أمام الجنيه ضمن نطاقات متغيرة، مع استقرار نسبي واحتمالات للتذبذب، وليس صعودًا قويًا ومستمرًا أو انخفاضًا حادًا. وستبقى معدلات التضخم، وحجم التدفقات الدولارية، وأسعار النفط، وقرارات البنك المركزي، وحركة الدولار عالميًا، العوامل الأهم التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة.