الإمارات تسعى لتوسيع الاستثمارات في البنية التحتية الخليجية مع تصاعد أهمية موانئها ومسارات التجارة البديلة
تتجه خريطة التجارة والنقل في الخليج إلى مرحلة جديدة مع تصاعد المخاطر التي تواجه طرق التجارة والطاقة التقليدية، وفي مقدمتها الاعتماد الكبير على مضيق هرمز. وفي هذا المشهد تبرز الإمارات باعتبارها من أكثر الدول الخليجية اهتمامًا بتوسيع قدراتها اللوجستية وتطوير موانئها وشبكات النقل لديها، بما يوفر للتجارة والطاقة مسارات بديلة يمكن الاعتماد عليها في أوقات الأزمات.
وتأتي هذه التحركات بعدما كشفت اضطرابات الملاحة في المنطقة أن الاعتماد على ممر جغرافي واحد قد يتحول سريعًا إلى نقطة ضعف اقتصادية. لذلك بدأت دول الخليج ضخ استثمارات أكبر في الموانئ وخطوط الأنابيب والطرق والسكك الحديدية، بهدف بناء شبكة أكثر مرونة تستطيع مواصلة العمل حتى عند تعرض أحد مساراتها للاضطراب.
وتعد الفجيرة من أبرز المواقع التي تستفيد من هذا التوجه في الإمارات، فموقعها على خليج عُمان يمنحها منفذًا مباشرًا إلى المحيط الهندي بعيدًا عن مضيق هرمز، وهو ما يزيد أهميتها التجارية والاستراتيجية. ومع خطط تطوير الموانئ، اتجهت شركة «دي بي ورلد» إلى توسيع حضورها على الساحل الشرقي من خلال مشروع لتطوير محطتين جديدتين للحاويات والبضائع في الفجيرة، بما يرفع الطاقة الاستيعابية ويفتح المجال أمام استقبال مزيد من السفن والشحنات.
لكن أهمية هذه المشروعات لا تتوقف عند زيادة عدد الأرصفة أو الطاقة التشغيلية، إذ إن الميناء الحديث أصبح جزءًا من منظومة أوسع تضم الطرق والمخازن ومراكز الحاويات والسكك الحديدية والمناطق الصناعية. وبالنسبة إلى اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على التجارة وإعادة التصدير والخدمات اللوجستية، فإن تعدد منافذ دخول البضائع وخروجها يمنح الشركات خيارات أكبر لاختيار الطريق الأنسب وفق ظروف الملاحة والتكاليف والوقت.
ولا تقتصر مسألة تنويع المسارات على التجارة بالحاويات، فالطاقة تمثل جانبًا أساسيًا من هذه الاستراتيجية. وفي الإمارات تلعب خطوط الأنابيب الممتدة من مناطق الإنتاج في أبوظبي إلى الفجيرة دورًا مهمًا في نقل الخام إلى الساحل الشرقي، بما يسمح بتصدير كميات من النفط عبر منفذ لا يتطلب المرور بمضيق هرمز. ومع خطط زيادة القدرات التصديرية عبر الفجيرة، يصبح هذا المسار أكثر أهمية في حال تعرضت طرق الملاحة الرئيسية لاضطرابات طويلة.
وقد أعادت اضطرابات هرمز حسابات دول الخليج، فالمضيق ليس مجرد ممر للسفن، بل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وقد مر عبره تاريخيًا نحو خمس تدفقات النفط العالمية. ومع تراجع حركة العبور خلال الفترة الماضية، اتجه جزء من الشحنات نحو موانئ أخرى، بينها الموانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر والموانئ الشرقية في الإمارات، ما أظهر الحاجة إلى تطوير هذه البدائل بدل الاكتفاء بحلول مؤقتة.
ومع استمرار التغيرات في حركة التجارة والطاقة، تبدو الاستثمارات الإماراتية في الفجيرة وخطوط الأنابيب والطرق والممرات الحديدية جزءًا من تحول أوسع في الاقتصاد الخليجي. فالدول التي تمتلك أكثر من خيار لتدفق السلع والطاقة ستكون أقدر على امتصاص الصدمات، والموانئ المرتبطة بشبكات نقل متنوعة ستكتسب قيمة أكبر. وبذلك، لا تبدو الاستراتيجية الإماراتية مجرد استجابة لاضطراب مؤقت، وإنما محاولة لبناء منظومة تجارية أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع عالم أصبحت فيه المخاطر الجيوسياسية جزءًا دائمًا من حسابات التجارة والطاقة والاستثمار.