موجة جديدة من الشباب تتجه إلى الحرف اليدوية بحثًا عن عمل أكثر أصالة واستقرارًا بعيدًا عن الوظائف الرقمية المعرضة لتحولات الذكاء الاصطناعي
يشهد سوق العمل تغيرًا واضحًا مع التوسع السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي، وهو ما دفع بعض الشباب إلى إعادة التفكير في الوظائف التي كانوا يرونها مستقبلًا مضمونًا. فبدل الاتجاه إلى الأعمال الرقمية والمكتبية فقط، بدأ عدد متزايد منهم يختار مهنًا تعتمد على المهارة اليدوية والخبرة والتعامل المباشر مع المواد، بحثًا عن مستقبل مهني يصعب استبداله بالكامل بالخوارزميات.
ويظهر هذا التحول بشكل لافت في بريطانيا، حيث عادت مهن مثل تجليد الكتب والأعمال المعدنية وصناعة الديكورات والقطع المسرحية إلى جذب اهتمام الشباب. ولم تعد الحرفة بالنسبة إلى البعض مجرد مهنة مرتبطة بالماضي، بل أصبحت خيارًا مهنيًا يمكن أن يمنح صاحبه مهارة طويلة الأمد، خصوصًا مع القلق المتزايد بشأن الوظائف التي يمكن للذكاء الاصطناعي تنفيذ جانب كبير من مهامها.
فالمهن التي تعتمد على الكتابة والتحليل والتصميم ومعالجة المعلومات أصبحت تستفيد بصورة واسعة من الأدوات الذكية، الأمر الذي جعل بعض الشباب يتساءلون عن مستقبل الوظائف التي يختارونها اليوم. في المقابل، تبدو الأعمال اليدوية أكثر تعقيدًا أمام الأتمتة، لأن الحرفي يتعامل مع تفاصيل متغيرة في الخشب أو المعدن أو القماش أو الورق، ويحتاج إلى اللمس والدقة والخبرة لاتخاذ قرارات أثناء العمل.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك تجليد الكتب، إذ شهدت بعض الورش البريطانية اهتمامًا متزايدًا من الشباب الراغبين في تعلم هذه المهنة القديمة. فالعمل فيها يحتاج إلى الصبر والتركيز ووقت طويل لإتمام التفاصيل، ولا يمكن الوصول إلى النتيجة بضغطة زر. كما أن الكتاب المصنوع يدويًا يكتسب قيمة إضافية بسبب طريقة إنتاجه، وهو ما يجعل بعض المستهلكين والناشرين مستعدين لدفع قيمة أعلى مقابل منتج يحمل طابعًا بشريًا واضحًا.
ولا يقتصر الأمر على الكتب، ففي مجال الأعمال المعدنية الفنية تلقت إحدى الشركات البريطانية أكثر من 160 طلبًا على مقعدين فقط في برنامج التدريب المهني، وهو رقم يعكس حجم الاهتمام بهذه الفرص. ويجد بعض المتدربين في إنتاج قطعة حقيقية بأيديهم إحساسًا بالإنجاز يختلف عن الأعمال التي تتم بالكامل داخل البيئة الرقمية، خصوصًا أن كل قطعة تحمل تفاصيل صغيرة تعكس مهارة صانعها وطريقته الخاصة.
كما تظهر الحاجة إلى هذه المهارات في قطاع المسرح، الذي يعتمد على صناعة الديكور والأزياء والشعر المستعار والقطع المعدنية وغيرها من التخصصات العملية. وتواجه بعض هذه المهن مشكلة أخرى تتمثل في تراجع أعداد أصحاب الخبرة واقتراب بعضهم من التقاعد، ما يجعل التدريب ضروريًا للحفاظ على مهارات قد تختفي مع الوقت.
لكن عودة الشباب إلى الحرف لا تعني بالضرورة رفض التكنولوجيا. فالحرفي يستطيع استخدام برامج التصميم والتسويق الإلكتروني ومنصات البيع وحتى بعض أدوات الذكاء الاصطناعي لتطوير عمله والوصول إلى عملاء جدد، بينما تبقى صناعة المنتج نفسها قائمة على مهارة بشړية.
ومع تغير سوق العمل، بدأت المهن العملية تستعيد قيمتها أيضًا، فحتى الاقتصاد الرقمي يحتاج إلى أشخاص يبنون ويصونون مراكز البيانات والمصانع والمنشآت وشبكات الطاقة. كما تمنح الحرفة صاحبها فرصة لإنشاء مشروع مستقل وبيع منتجاته مباشرة، وإن كان ذلك يتطلب إلى جانب المهارة معرفة بالتسويق والتسعير وإدارة الأعمال.
وفي النهاية، تكشف عودة الشباب إلى المهن اليدوية عن تغير في مفهوم الأمان الوظيفي. فالسؤال لم يعد فقط عن الوظيفة التي تحقق دخلًا جيدًا، بل عن المهارة التي ستظل مطلوبة عندما تتغير الأدوات. وبينما يواصل الذكاء الاصطناعي أتمتة المزيد من المهام، يجد بعض الشباب مستقبلهم في عمل أبطأ وأكثر ارتباطًا بالعالم الحقيقي، لكنه يمنحهم مهارة شخصية ومنتجًا ملموسًا وشعورًا بأن الإنسان نفسه لا يزال مصدر القيمة.