مع تراجع بعض وظائف المبتدئين تحت ضغط الأتمتة: لماذا تصبح الخبرة العملية والمهارات المتخصصة أكثر أهمية في بناء المسار المهني؟
لم يعد الحصول على الوظيفة الأولى بعد التخرج خطوة سهلة كما كان في السابق، خصوصًا مع المهن التي تعتمد على الأعمال المكتبية والمهام الرقمية المتكررة. فالتطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي والأتمتة يدفع الشركات إلى إعادة النظر في الوظائف التي كانت تمنح عادة للخريجين الجدد، بالتزامن مع تباطؤ التوظيف وارتفاع تكاليف التشغيل في عدد من الأسواق.
وتكشف مؤشرات سوق العمل البريطاني حجم هذا التحول؛ إذ أظهر مسح أجرته مؤسسة Work Foundation التابعة لجامعة لانكستر، وشمل أكثر من ألف مسؤول أعمال، أن 36% من الشركات قلصت خلال الاثني عشر شهرًا السابقة عدد الوظائف المخصصة للعاملين في بداية مسيرتهم المهنية، وكانت الضغوط أكبر لدى المؤسسات المتوسطة والكبيرة.
ولا تعني هذه الأرقام أن الذكاء الاصطناعي أصبح بديلًا مباشرًا عن الموظفين الجدد، لكنها تشير إلى تغير واضح في نقطة الدخول إلى سوق العمل. فالمهام التي كانت تمنح الخريج فرصة لاكتساب خبرته الأولى، مثل إعداد المسودات وفرز المعلومات ومعالجة البيانات وبعض الأعمال الإدارية، أصبحت قابلة للتنفيذ بواسطة البرمجيات، ما يرفع مستوى المهارات المطلوبة حتى في الوظائف المبتدئة.
لطالما بدأت المسيرة المهنية من أعمال بسيطة ومتكررة، ثم ينتقل الموظف تدريجيًا إلى مهام أكثر تعقيدًا ومسؤولية. لكن التكنولوجيا تغير هذه المعادلة؛ فعندما تنجز الأدوات الرقمية جزءًا كبيرًا من العمل خلال وقت قصير، يصبح الموظف مطالبًا بالانتقال أسرع إلى التحليل واتخاذ القرار والتعامل مع الحالات التي تحتاج إلى تقدير بشړي. وهنا تظهر المشكلة بالنسبة إلى الشباب، لأن تقليص المهام الأولية يعني أيضًا تقليص المساحة التي يمكن من خلالها اكتساب الخبرة التي سيطلبها أصحاب العمل لاحقًا.
ولا تأتي الضغوط من الأتمتة وحدها. فسوق العمل البريطاني يشهد تراجعًا في التوظيف، مع وصول الوظائف الشاغرة إلى أدنى مستوى تقريبًا منذ عام 2021، إلى جانب انخفاض إعلانات الوظائف الموجهة للخريجين مقارنة بالعام السابق. لذلك لا يمكن اعتبار كل وظيفة مفقودة نتيجة مباشرة للذكاء الاصطناعي؛ فالظروف الاقتصادية وتكاليف العمالة وتباطؤ بعض القطاعات وإعادة هيكلة الشركات عوامل حاضرة أيضًا. وقد رأى 73% من أصحاب الأعمال المشاركين في المسح أن دخول الشباب إلى سوق العمل أصبح أصعب مما كان عليه قبل خمس سنوات.
في هذه البيئة، تتحول الخبرة العملية من إضافة إلى السيرة الذاتية إلى وسيلة لإثبات القدرة على أداء العمل فعلًا. فالشهادة تثبت دراسة التخصص، لكنها لا تثبت بالضرورة القدرة على التعامل مع عميل، أو إدارة مشروع، أو اكتشاف خطأ في البيانات، أو اتخاذ قرار عندما تكون المعلومات ناقصة. ومع توسع الذكاء الاصطناعي، تزداد قيمة هذه الجوانب تحديدًا.
فالموظف قد يستخدم أداة ذكية لإنتاج تحليل أو محتوى، لكن القيمة الحقيقية تظهر في قدرته على مراجعة النتيجة ومعرفة ما يحتاج إلى تدقيق وتحويل المخرجات إلى قرار عملي. ولهذا قد يمتلك المتخصص في مجال معين ميزة أكبر من شخص يعرف أدوات الذكاء الاصطناعي من دون فهم عميق للمجال.
وهكذا لا يبدو السؤال الأهم هو ما الوظائف التي سيأخذها الذكاء الاصطناعي، بل ما الذي سيجعل الإنسان أكثر قدرة على العمل معه والاستفادة منه. وفي سوق تتغير فيه نقطة البداية المهنية، تصبح الخبرة الحقيقية، والتخصص الواضح، والقدرة على استخدام التكنولوجيا والتعلم المستمر أدوات أساسية لبناء مستقبل مهني أكثر استقرارًا.