جنرال موتورز تتوقع وصول سوق برمجيات السيارات إلى 80 مليار دولار بحلول 2030
جنرال موتورز تتوقع: سوق برمجيات السيارات سيبلغ 80 مليار دولار بحلول 2030
في السنوات الأخيرة، لم يعد عالم السيارات كما عهدناه. فالمركبات التي كانت تعتمد في الأساس على المحركات والميكانيكا، باتت اليوم أقرب ما تكون إلى حواسيب متحركة على عجلات. وفي هذا المشهد المتغيّر بسرعة، تخرج شركة جنرال موتورز بتوقع جريء: سوق برمجيات السيارات سيصل إلى 80 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2030.
لكن ما الذي يجعل شركة بحجم جنرال موتورز — التي تأسست قبل أكثر من قرن — تؤمن بأن البرمجيات ستكون مستقبل السيارات؟ وكيف تخطط للوصول إلى هذا الرقم الضخم؟ هذا ما نحاول الإجابة عنه في هذا المقال.
السيارة الحديثة: جهاز ذكي أكثر من كونها مجرد مركبة
من الواضح أن العلاقة بين الإنسان والسيارة لم تعد تقتصر على القيادة. فاليوم، نرى سيارات تتابع حركة المرور، تساعدك في ركنها، تقترح لك أقصر طريق، بل وحتى تُحدث نفسها تلقائيًا لتضيف ميزات جديدة. كل هذه القدرات تعتمد على البرمجيات، وهي المجال الذي تراهن عليه جنرال موتورز بقوة في السنوات القادمة.
الشركة ترى أن العصر المقبل لن يكون عن "كم عدد السيارات التي نبيعها"، بل عن "كم من الخدمات الرقمية نستطيع توفيرها داخل كل سيارة".
البرمجيات تتحول إلى مصدر دخل متجدد
ما تطرحه جنرال موتورز ليس فقط طموحًا مستقبليًا، بل نموذجًا اقتصاديًا جديدًا. الشركة تسعى إلى التحول من شركة تصنيع سيارات إلى مزود خدمات تنقل رقمية. بمعنى آخر، السيارة لن تكون مجرد منتج نشتريه مرة واحدة، بل منصة رقمية تقدم لنا خدمات بشكل مستمر مقابل رسوم، مثل الاشتراكات في تطبيقات الهواتف الذكية.
على سبيل المثال، بإمكانك اليوم شراء سيارة من جنرال موتورز، ثم لاحقًا الاشتراك بخدمة "المساعدة في القيادة على الطرق السريعة"، أو تفعيل نظام تدفئة المقاعد عن بعد، أو حتى إضافة مزايا جديدة بمجرد تحديث برمجي. هذه التحديثات لا تتطلب زيارة مركز صيانة، بل تُرسل إلى السيارة "عن بُعد"، تمامًا كما يصلك تحديث جديد لهاتفك.
منصة Ultifi: ركيزة الرؤية الرقمية
في سبيل تنفيذ هذه الرؤية، طورت جنرال موتورز منصة برمجية متكاملة أطلقت عليها اسم Ultifi. هذه المنصة أشبه بنظام تشغيل داخل السيارة، تربط بين العتاد الداخلي (مثل الكاميرات والمستشعرات) والخدمات السحابية الخارجية.
وما يميز Ultifi أنها مرنة وقابلة للتحديث المستمر، وتتيح إضافة مزايا جديدة حتى بعد شراء السيارة. كما تفتح الباب أمام المطورين لإنشاء تطبيقات مخصصة، مما يجعل السيارة بيئة برمجية قابلة للتخصيص مثل الهواتف الذكية تمامًا.
ذكاء اصطناعي وإنترنت أشياء في مقعد القيادة
ليس من المستغرب أن يكون الذكاء الاصطناعي أحد العناصر الأساسية في خطة جنرال موتورز. فالأنظمة الذكية التي تفهم أسلوب قيادتك، وتقترح تعديلات، وتحذّرك من مشاكل محتملة، لم تعد ضربًا من الخيال.
تعمل الشركة على تطوير برمجيات تتعلّم من المستخدمين مع مرور الوقت، وتتكامل مع الأجهزة الأخرى في حياتهم، مثل الهاتف والمنزل الذكي. هذه الرؤية تدخل تحت مفهوم "إنترنت الأشياء"، حيث تصبح السيارة جزءًا من منظومة حياة رقمية متصلة بالكامل.
السوق يتغير… والمنافسون يزدادون
ما يُعقّد المشهد أن شركات تكنولوجيا كبرى دخلت هذا المضمار بقوة. فـتسلا سبقت الجميع بتحويل السيارة إلى منصة برمجية منذ انطلاقتها. أما غوغل، فهي تقدم نظام Android Automotive لصانعي السيارات. وآبل أيضًا تعمل على مشروع "Apple Car" بسرية تامة.
لهذا، فإن جنرال موتورز تدرك جيدًا أنها لم تعد تنافس شركات سيارات تقليدية فحسب، بل شركات تقنية تمتلك خبرة عميقة في البرمجيات وتجربة المستخدم. لذا، فهي تسرّع جهودها في التطوير، وتعقد شراكات مع شركات تكنولوجية، وتستثمر مليارات الدولارات في هذا التحول.
عوائق وتحديات لا بد من التعامل معها
رغم التفاؤل الكبير، هناك تحديات حقيقية لا يمكن تجاهلها:
الأمن السيبراني: كلما زاد الاعتماد على البرمجيات، زاد خطړ الاختراقات. تأمين بيانات المستخدمين والسيارات أصبح أولوية قصوى.
القبول المجتمعي: ليس كل الناس مستعدون بعد لفكرة "دفع رسوم شهرية" من أجل ميزات داخل السيارة. تقبّل هذه الفكرة يحتاج إلى وقت وثقة.
الاختلافات القانونية: بعض الدول تفرض قيودًا على جمع البيانات أو التحديثات البرمجية عن بُعد، مما يتطلب حلولًا مرنة ومتوافقة مع كل سوق.
كيف تخطط جنرال موتورز للوصول إلى 80 مليار دولار؟
من المهم الإشارة إلى أن هذا الرقم ليس عشوائيًا. بل تستند الشركة في توقعها إلى عوامل ملموسة:
إطلاق أكثر من 30 سيارة كهربائية جديدة بحلول 2025، جميعها مجهزة بمنصة Ultifi.
التوسع في تقديم خدمات اشتراكية مثل Super Cruise (نظام القيادة الذاتية).
بيع تطبيقات ومزايا إضافية عبر متاجر رقمية داخل السيارة.
بناء شبكة سحابية ضخمة لتقديم تحديثات برمجية بشكل دائم.
دخول أسواق جديدة حيث تزداد شهية المستخدمين للتكنولوجيا، مثل الصين والهند.
ختامًا: السيارة كخدمة، لا كمنتج
ربما كان من المستحيل قبل 10 سنوات أن نتخيل سيارة تقدم نفسها كمنصة خدمات رقمية، يتم تحديثها من الإنترنت، وتُدر دخلًا للشركة حتى بعد بيعها بسنوات. لكن هذا هو الواقع الذي تسعى جنرال موتورز إلى ترسيخه.
الشركة لا تنوي فقط مجاراة الموجة الرقمية، بل أن تكون في طليعتها. وإذا نجحت في استراتيجيتها، فإن 2030 قد يشهد جنرال موتورز مختلفة تمامًا: ليست فقط صانع سيارات، بل شركة تكنولوجية تقدم تجربة تنقل رقمية متكاملة — وربما تكون من أوائل الشركات التي تحقق الموازنة بين الهاردوير والبرمجيات بطريقة مربحة ومستدامة.