هل الرسوم الجمركية مفيدة؟ وهل يُمكن أن تكون القومية الاقتصادية أمرًا جيدًا؟داني رودريك الخبير الاقتصادي يخبرنا
هل الرسوم الجمركية مفيدة؟ وهل يمكن أن تكون "القومية الاقتصادية" أمرًا جيدًا؟
داني رودريك يقدّم رؤية مغايرة للسائد الاقتصادي العالمي
في خضمّ الجدل العالمي المتصاعد حول الحماية التجارية، تتجه الأنظار نحو الاقتصادي التركي الأميركي داني رودريك، أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي في جامعة هارفارد، الذي يقترح مراجعة جذرية لما يُعتبر مسلّمات في الفكر الاقتصادي النيوليبرالي. ففي وقت تُصوَّر فيه الرسوم الجمركية على أنها ټهديد للنمو والانفتاح، يقدّم رودريك طرحًا مغايرًا، بل مثيرًا للجدل، حين يؤكّد أن "القومية الاقتصادية" ليست بالضرورة شرًّا مطلقًا، بل قد تكون أداة فاعلة في تحقيق العدالة الاقتصادية وتعزيز الإنتاج المحلي.
العودة إلى الدولة: هل انتهى عهد السوق الحرّة؟
لطالما تمّ الترويج للسوق المفتوحة بوصفها طريقًا لا بديل له لتحقيق الازدهار. لكن رودريك، الذي اشتهر بكتاباته الناقدة للعولمة غير المنضبطة، يرى أن هذه النظرة *تتجاهل الحقائق السياسية والاجتماعية التي يعيشها المواطن العادي، خصوصًا في الدول النامية وحتى بعض الدول الصناعية.
وفي مقابلات وتصريحات متفرقة، شدد رودريك على أن "فكرة أن الدولة يجب أن تبتعد عن الاقتصاد بالكامل قد أثبتت فشلها"، مشيرًا إلى أن *الاعتماد المفرط على الأسواق العالمية حرم العديد من الدول من بناء قدرات صناعية وطنية حقيقية*.
الرسوم الجمركية: أداة سيئة بيد الجيدين؟
قد يبدو الدفاع عن الرسوم الجمركية ضربًا من الماضي الاقتصادي البائد، لكن رودريك لا يراها كذلك. بل يعتبرها "أداة من أدوات السياسة الاقتصادية"، يمكن توظيفها بشكل ذكي لحماية الصناعات الناشئة، شريطة أن تكون جزءًا من استراتيجية وطنية شاملة لا مجرد ردّ فعل شعبوي.
ويقول رودريك: "ليست الرسوم الجمركية جيدة أو سيئة في ذاتها، بل تتوقف فعاليتها على من يستخدمها ولماذا". ويضيف: "حين تُستخدم بهدف حماية الصناعات من منافسة غير عادلة، وتمكينها من النمو حتى تصبح قادرة على التنافس، فإنها تكون مبرَّرة. لكن حين تُستخدم فقط لكسب شعبية سياسية أو لدعم صناعات غير كفوءة، فإنها تؤدي إلى نتائج عكسية".
ما المقصود بالقومية الاقتصادية؟ وهل تعني الانغلاق؟
في كتاباته الحديثة، يميّز رودريك بين "القومية الاقتصادية التقدّمية" و"القومية الاقتصادية الانعزالية"، مشددًا على أن الأولى تقوم على تمكين الاقتصاد الوطني وبناء قدراته الإنتاجية، دون أن تعني بالضرورة الانفصال عن النظام العالمي.
ويرى أن الدولة يجب أن تعود لتلعب دورًا مركزيًا في توجيه الاقتصاد، ليس فقط عبر فرض الرسوم الجمركية، بل من خلال سياسات صناعية واضحة، دعم الابتكار، وتحقيق العدالة في توزيع الموارد.
من المستفيد من العولمة؟ ومن يدفع الثمن؟
لا يخفي رودريك انتقاداته للعولمة النيوليبرالية، معتبرًا أنها صُمّمت لخدمة مصالح الشركات الكبرى، على حساب العمال والطبقات المتوسطة. ويقول: "حين ننظر إلى خريطة المستفيدين من اتفاقيات التجارة الحرة، نجد أن الأرباح تُجنى في العواصم والمراكز المالية، بينما تُدفع الأكلاف في المدن الصغيرة والمناطق الصناعية المتدهورة".
ويحذر من أن "التمادي في إضعاف السيادة الاقتصادية للدول سيؤدي إلى انفجارات اجتماعية وشعبوية سياسية قد تعصف بالاستقرار العالمي".
هل هناك طريق وسط؟
بعيدًا عن الشعارات، يدعو رودريك إلى نهج واقعي ومتوازن يجمع بين الانفتاح على العالم وضرورة حماية الاقتصاد الوطني. وهو يرى أن هذا التوازن هو ما تحتاجه الدول اليوم، لا سيما في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة، بدءًا من الحړب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، وصولًا إلى الأزمات المناخية والصحية.
ويشير إلى أن الدول الناجحة، مثل كوريا الجنوبية وفيتنام وحتى ألمانيا، *لم تنمُ بالاعتماد الأعمى على السوق العالمية، بل من خلال سياسات صناعية محلية فاعلة ودعم حكومي ذكي*.
المستقبل: هل العالم جاهز لإعادة التفكير؟
في ختام طرحه، يدعو رودريك إلى إعادة النظر في الأسس الفكرية التي تقوم عليها المؤسسات الاقتصادية الدولية، مثل البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، مطالبًا بنهج اقتصادي جديد يضع الإنسان قبل السوق، والإنتاج قبل الاستيراد، والسيادة الوطنية قبل الامتثال الأعمى للعولمة.
وفي ظل التحديات المتزايدة، من التضخم إلى التغير المناخي، يبدو أن أفكار داني رودريك لم تعد فقط صړخة في وادٍ، بل تحوّلت إلى مرجعية يتبناها عدد متزايد من الاقتصاديين وصنّاع القرار الباحثين عن بدائل واقعية لاقتصاد يزداد هشاشة وتفاوتًا.