علم النفس المهني يسلّط الضوء على إدارة الطاقة باعتبارها بديلًا أكثر فاعلية من إدارة الوقت لرفع الإنتاجية والحد من الإرهاق الوظيفي
يبدو أن مفهوم إدارة الوقت لم يعد وحده يتصدر النصائح المتعلقة بالنجاح في العمل كما كان لسنوات طويلة. فبعد أن انصب الاهتمام على تنظيم الجداول اليومية، وترتيب الأولويات، واستغلال كل ساعة بأفضل شكل ممكن، بدأت دراسات حديثة في علم النفس المهني تشير إلى زاوية مختلفة تمامًا. المشكلة في كثير من الأحيان ليست قلة الوقت، وإنما انخفاض الطاقة التي تسمح للإنسان باستثمار هذا الوقت بالشكل المطلوب.
ومن هنا بدأ يتردد مفهوم إدارة الطاقة بوصفه أحد الاتجاهات الحديثة داخل بيئات العمل. الفكرة لا تقوم على زيادة عدد الساعات المنتجة، بل على الحفاظ على الطاقة الذهنية والجسدية والعاطفية التي يحتاجها الموظف حتى يقدم أفضل أداء. فليست العبرة بعدد الساعات المتاحة، وإنما بالحالة التي يكون عليها الشخص أثناء العمل، لأن جودة الإنجاز ترتبط بما يملكه من طاقة بقدر ارتباطها بالوقت نفسه.
وخلال سنوات طويلة، كانت الإنتاجية تُقاس بعدد ساعات العمل، وسرعة إنجاز المهام، والقدرة على تحمل مسؤوليات أكثر. لكن مع ارتفاع معدلات الإجهاد المهني وانتشار الاحتراق الوظيفي في قطاعات كثيرة، بدأ هذا التصور يتراجع شيئًا فشيئًا. فقد أوضحت دراسات في السلوك التنظيمي أن الموظف قد يمتلك وقتًا كافيًا لإنجاز مهمة ما، ومع ذلك لا يستطيع الوصول إلى النتيجة المطلوبة إذا كان مرهقًا أو مشتت الذهن أو يعيش تحت ضغط نفسي مستمر. ولهذا لم يعد السؤال الأهم: كيف ننظم ساعات العمل؟ بل أصبح: كيف نحافظ على الطاقة التي تجعل الأداء الفعال ممكنًا؟
ولا يعني ذلك أن إدارة الوقت فقدت أهميتها، لكنها أصبحت جزءًا من صورة أكبر. فالوقت يحدد الإطار الذي نعمل داخله، أما الطاقة فهي التي تحدد مستوى التفكير، والابتكار، وجودة القرارات خلال هذا الإطار.
وينظر علم النفس المهني إلى الطاقة باعتبارها منظومة متكاملة، وليست مجرد نشاط بدني كما يعتقد البعض. فهناك أولًا الطاقة الجسدية، المرتبطة بالنوم الكافي، والراحة، والحركة، والصحة العامة، لأن إرهاق الجسد ينعكس مباشرة على سرعة التفكير والتركيز. وهناك أيضًا الطاقة الذهنية، وهي القدرة على تحليل المعلومات، وحل المشكلات، واتخاذ القرارات دون استنزاف مستمر، وتزداد أهميتها في الوظائف التي تعتمد على الإبداع والعمل المعرفي.
ولا تتوقف الصورة عند هذا الحد، فهناك الطاقة العاطفية التي تؤثر بشكل واضح في استمرار الحماس والدافع المهني، إذ إن القلق أو الإحباط أو الشعور بفقدان المعنى قد يستهلك جزءًا كبيرًا من قدرة الموظف على الإنتاج. كما تلعب الطاقة الاجتماعية دورًا لا يقل أهمية، فالعلاقات الجيدة مع الزملاء والتواصل الفعال داخل بيئة العمل يساعدان على تعزيز الشعور بالانتماء، ويخففان من الضغوط اليومية التي يواجهها العاملون.
ولم يعد الحديث عن إدارة الطاقة مجرد فكرة منتشرة في كتب تطوير الذات، بل أصبح موضوعًا حاضرًا في الدراسات الأكاديمية الخاصة بالإدارة وعلم النفس التنظيمي. فقد تناولت أبحاث عديدة الطرق التي يحافظ بها الموظفون على حيويتهم أثناء العمل، ووجدت أن التعلم المستمر، والإحساس بهدف واضح من العمل، وبناء علاقات مهنية داعمة، كلها عوامل ترتبط بارتفاع الحيوية والرضا الوظيفي.
ومع استمرار تغير بيئات العمل وازدياد الضغوط المهنية، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل نحتاج فعلًا إلى ساعات عمل أكثر... أم أننا بحاجة إلى طاقة أفضل تمنح تلك الساعات قيمتها الحقيقية؟