إدارة الطاقة بدلًا من إدارة الوقت: المفهوم المهني الذي يكتسب زخمًا بين الباحثين عن أداء مستدام وتقليل الاحتراق الوظيفي

موقع أيام نيوز

لم تعد فكرة الإنتاجية في عالم العمل الحديث مرتبطة فقط بعدد الساعات التي يقضيها الموظف في مكتبه أو حجم المهام التي يستطيع إنجازها خلال يوم طويل. فمع تغير طبيعة الوظائف وارتفاع مستويات الضغط المهني، بدأ يظهر مفهوم جديد يركز على طريقة مختلفة لتحقيق أداء أفضل وأكثر استدامة، وهو إدارة الطاقة البشرية بدلًا من التركيز الكامل على إدارة الوقت.

يقوم هذا الاتجاه على فكرة بسيطة وهي أن الوقت مورد محدود وثابت لا يمكن التحكم في زيادته، بينما يمكن للإنسان أن يعمل على تطوير طاقته الذهنية والجسدية والعاطفية وتنظيمها بطريقة تساعده على تقديم أفضل ما لديه. ولهذا فإن تحسين كيفية استخدام الفرد لطاقته قد يكون أكثر تأثيرًا في جودة العمل من مجرد إضافة ساعات جديدة إلى يومه.

وقد اكتسب مفهوم إدارة الطاقة اهتمامًا متزايدًا خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا مع ارتفاع معدلات الإجهاد الوظيفي وانتشار ظاهرة الاحتراق المهني في العديد من بيئات العمل. إذ أصبحت المؤسسات تبحث عن طرق جديدة تحافظ من خلالها على إنتاجية الموظفين دون أن تؤدي المطالب المستمرة إلى استنزاف قدراتهم على المدى الطويل.

لفترة طويلة كان الاعتقاد السائد أن الموظف الأكثر نجاحًا هو من يستطيع العمل لساعات أطول وتحمل المزيد من الضغوط، وكان البقاء في المكتب حتى وقت متأخر يُنظر إليه أحيانًا كعلامة على الالتزام والاجتهاد.

لكن التجارب العملية والدراسات المختلفة بدأت توضح أن طول فترة العمل لا يعني دائمًا تحقيق نتائج أفضل. فالعمل المستمر دون الحصول على وقت كافٍ لاستعادة النشاط قد يؤدي إلى تراجع التركيز، وضعف القدرة على اتخاذ القرارات، وانخفاض مستوى الإبداع، وهي أمور تؤثر بشكل مباشر على جودة الأداء.

ومن هنا بدأ الاهتمام بفكرة أن الإنتاجية الحقيقية لا ترتبط فقط بعدد الساعات التي يعملها الشخص، بل بالحالة التي يكون عليها أثناء هذه الساعات. فقد تكون ساعة واحدة من التركيز الكامل أكثر فائدة من عدة ساعات يقضيها الموظف وهو يشعر بالتعب والتشتت وعدم القدرة على الإنجاز.

إدارة الطاقة لا تعني بالضرورة العمل بشكل أقل أو تقليل الجهد المبذول، وإنما تعني التعامل مع قدرات الإنسان بذكاء أكبر. فكل شخص يمر خلال يومه بمراحل مختلفة من النشاط والتركيز، ومعرفة هذه الفترات واختيار المهام المناسبة لها يمكن أن يغير طريقة العمل بشكل واضح.

وتشمل إدارة الطاقة عدة جوانب أساسية تبدأ بالطاقة الجسدية، فهي القاعدة التي يعتمد عليها الأداء اليومي، وترتبط بعوامل مثل النوم الجيد، والنشاط البدني، والتغذية المناسبة، والحصول على فترات راحة تساعد الجسم والعقل على استعادة قدرتهما.

أما الطاقة العقلية فتتعلق بقدرة الإنسان على التركيز والتفكير والتحليل وحل المشكلات. ولذلك يصبح تقليل مصادر التشتيت، مثل كثرة التنبيهات والاجتماعات غير الضرورية، وتخصيص أوقات الذروة الذهنية للمهام الصعبة، أمرًا مهمًا للوصول إلى نتائج أفضل.

هناك أيضًا الطاقة العاطفية التي ترتبط بالحالة النفسية وطريقة تعامل الشخص مع الضغوط والعلاقات داخل بيئة العمل. فالتوتر المستمر والمشاعر السلبية قد تستهلك جزءًا كبيرًا من قدرة الفرد على التركيز والإنتاج حتى لو كان يمتلك الوقت الكافي لإنجاز مهامه.

وفي النهاية، لا تأتي إدارة الطاقة لإلغاء أهمية الوقت، بل لإعادة ترتيب طريقة استخدامه. فالنجاح في العمل لا يعتمد فقط على عدد الساعات التي يمتلكها الإنسان خلال اليوم، وإنما على امتلاكه الطاقة المناسبة التي تمكنه من استغلال هذه الساعات بتركيز وكفاءة أكبر.

تم نسخ الرابط