إجبار بعض اللاجئين السوريين من العودة إلى سوريا

موقع أيام نيوز

العودة الصعبة تأملات في رحلة السوريين نحو الوطن
في عالم تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والاقتصادية تظل الهجرة واللجوء من أكثر الظواهر تعقيدا وتشابكا. ومن بين هذه التجارب المؤلمة تبرز قصة اللاجئين السوريين واليوم وبعد سنوات من الغربة يعود الحديث مجددا عن عودة بعض هؤلاء اللاجئين إلى سوريا تحت ظروف مختلفة وتطلعات لا تخلو من الحذر.
هذه العودة ورغم ما تحمله من دلالات عميقة لا يمكن حصرها في معادلة عاطفية فقط ولا هي قرار فردي بسيط. إنها محطة إنسانية مركبة تقف فيها الذاكرة والحنين على طرف بينما يقف الواقع العملي والمخاۏف والظروف الشخصية على الطرف الآخر.
العودة ليست دائما مرادفا للراحة
العودة إلى الوطن كما قد تبدو للبعض ليست دائما خطوة نحو الراحة النفسية أو استعادة الأمان. في كثير من الأحيان تعني مواجهة ما هو غير مألوف بعد سنوات طويلة من الغياب أحياء تغيرت ملامحها منازل أصبحت أطلالا وصداقات تفرقت أو ذهبت مع الوقت. اللاجئ العائد يخطو إلى أرض يعرفها جيدا لكنه في الوقت ذاته غريب عنها.
ثمة أبعاد اجتماعية عميقة لهذه العودة تبدأ من الشعور بالانفصال الثقافي إلى الحاجة لإعادة بناء العلاقات والتأقلم مع إيقاع حياة جديد لم يعشه منذ سنوات. ليست العودة مجرد حقائب تحمل بل هي إعادة تشكيل للذات ومحاولة لإيجاد مكان في مجتمع تغير وربما تغيرت قوانينه غير المكتوبة أيضا.
منفى الداخل ومنفى الخارج
اللاجئ الذي عاش سنوات في بلد مضيف قد يكون قد كون حياة هناك تعلم لغة جديدة اندمج جزئيا في محيط اجتماعي جديد وربما أصبح جزءا من سوق العمل أو البيئة التعليمية. العودة تعني التخلي عن ذلك كله والبدء من نقطة الصفر من جديد.
وبين منفى الخارج حيث البعد الجغرافي والاجتماعي عن الوطن ومنفى الداخل حيث الغربة داخل الأرض التي ولد فيها يتأرجح اللاجئ بين هويتين ومحاولتين دائمتي الحضور للتكيف.
الحنين لا يكفي
ما يدفع الكثيرين إلى التفكير في العودة هو الحنين وتوق القلب إلى الأماكن التي حفرتها الذاكرة الشوارع الأشجار أبواب الجيران رائحة الخبز الطازج. لكن الحنين وحده لا يكفي. هو عاطفة جميلة لكنه ليس خطة حياة ولا يجيب عن الأسئلة العملية التي تطرحها العودة هل هناك سكن هل هناك تعليم للأطفال ماذا عن العمل وهل البيئة الاجتماعية مناسبة للعودة بعد سنوات من العيش في بلد آخر
هذه الأسئلة ليست تشكيكا في فكرة العودة بل تأكيد على ضرورة أن تكون مدروسة إنسانية وتراعي كافة أبعاد التجربة الشخصية للفرد لا فقط الصورة العامة.
اللاجئ ليس مجرد رقم
من المؤسف أن يختزل الإنسان في وصف إداري أو قانوني. اللاجئ ليس مجرد رقم في سجلات الأمم المتحدة ولا حالة مؤقتة تستدعي حلا سريعا. هو فرد له قصة وعائلة وطموحات وتجارب صنعت منه شخصا مختلفا عمن كان عندما خرج من بلاده.
وعندما يطلب من هذا الإنسان أن يعود لا بد من احترام قصته. العودة لا يجب أن تكون فعلا يملى على أحد بل قرارا نابعا من قناعة شخصية تستند إلى شعور بالأمان والاستعداد لا إلى ضغط أو خوف أو فقدان الخيارات.
العودة الكريمة مفهوم لا بد من ترسيخه
عندما يطرح موضوع عودة اللاجئين ينبغي أن يقترن دائما بكلمة كريمة. لأن العودة مهما كانت ضرورية أو مرغوبة يجب أن تضمن للإنسان كرامته واستقراره وشعوره بأنه يذهب نحو ما يعرف لا نحو المجهول.
في العودة الكريمة لا يكون اللاجئ مجبرا على ترك بيئة اعتادها ليقف أمام مستقبل ضبابي. بل تبنى له الظروف وتقدم له الضمانات ويحتفى بقراره كما يحتفى بأي شخص يعود إلى بيته بعد سفر طويل.
البعد النفسي تحد لا يرى دائما
الكثير من اللاجئين خاصة الأطفال والشباب عاشوا تغيرات نفسية عميقة. فالانتقال من وطن إلى بلد غريب ثم العودة مجددا يخلق طبقات من القلق والحاجة إلى الشعور بالانتماء. ومن هنا تبرز أهمية الدعم النفسي والاجتماعي كجزء من عملية العودة لا كمجرد إضافة.
تأهيل العائدين نفسيا وتمكينهم من الاندماج بهدوء يضمن لهم بداية صحية ويمنع حالات العزلة أو الإحباط التي قد تظهر لاحقا.
خاتمة العودة رحلة داخلية أيضا
مهما تغيرت الظروف السياسية أو الاقتصادية تبقى العودة إلى الوطن قرارا فرديا أولا وأخيرا. لا أحد يعرف متى يكون وقته المناسب ولا أحد يستطيع أن يحدد إن كان الشخص مستعدا له أم لا.
لكن ما يجب أن نضمنه جميعا هو أن تكون هذه العودة ممكنة آمنة كريمة ومدعومة. لا أن تكون قسرية متسرعة أو مفروضة على أحد.
أن يعود الإنسان إلى وطنه بعد سنوات من الغربة ليس حدثا عابرا. إنه حدث يستحق التأمل الدعم والاحترام. هو ليس مجرد عودة إلى المكان بل هو محاولة لملمة الروح واستعادة ما يمكن استعادته من الذات.

تم نسخ الرابط