رسل الخفاجي: نجمة عراقية تتفوق في دوري الأبطال
في وطنٍ أنهكته الحروب وأثقلته التحديات، حيث يُنظر إلى الحلم أحيانًا وكأنه رفاهية، وُلدت حكاية مختلفة. حكاية فتاة رفضت أن تكون مجرد رقم في قائمة الواقع، واختارت أن تركض خلف كرة مستديرة، لا تعرف شيئًا عن الحدود، ولا تستأذن أحدًا كي تطير. اسمها رسل الخفاجي... عراقية بالهوى، ومقاتلة بالميدان، سافرت بأحلامها من أزقة النجف حتى ملاعب دوري أبطال أوروبا، لتصبح صوتًا جديدًا للعراق في الرياضة، ولكن هذه المرة بصوت أنثوي، قوي، وجريء.
الطفولة بين الجدران العالية والحلم المنخفض
في أحد أحياء مدينة النجف القديمة، حيث تمتزج رائحة التراب برائحة الخبز الساخن في الصباح، كبرت رسل. لم تكن الطفولة سهلة، ولم تكن الرياضة خيارًا متاحًا للفتيات كما هي للصبيان. كانت تلاحق الكرة بين أقدام إخوتها، تخبئها تحت عباءتها أحيانًا، وتنظر إلى التلفاز بحسرة حين يظهر نجوم أوروبا، تتساءل في داخلها: "لماذا لا أكون أنا هناك؟"
كانت شغوفة، شقية أحيانًا، جريئة دائمًا. تقول والدتها عنها:
"كانت تلعب بالكرة أكثر مما تلعب بالدمى، كنا نخاف عليها من كلام الناس، لكنها لم تكن تخاف من شيء."
عائلة خلف الستار، وفتاة تكتب التاريخ
في عمر الثالثة عشرة، بدأ كل شيء يأخذ طابعًا جديًا. التحقت بفريق نسائي صغير في النجف، تلعب على ملعب ترابي محاط بجدارٍ عالٍ، حيث لا يُسمح للفضول بالتسلل. هناك، بدأت ملامح الموهبة تظهر. كان مدربها الأول يصفها بـ"العنيدة"؛ لا تملّ من التمرين، ولا تتأخر عن الموعد، ولا تخشى التحدي.
ولأن الموهبة وحدها لا تكفي، كان لا بد من من يحملها على أكتافه حتى لا تسقط. هنا لعب والد رسل دورًا مفصليًا؛ فتح لها أبواب الدعم حين أُغلقت النوافذ، ورافقها إلى التمارين، وتحمّل نظرات الاستغراب من الأقارب والجيران، فقط لأن ابنته تحب أن تركض خلف الكرة.
من المنتخبات المحلية إلى أول بوابة عالمية
شارك المنتخب العراقي للسيدات في بطولة غرب آسيا، وهناك، لمعت رسل كما لمعت عيون العراقيين بها. قدمت أداءً جعل الجميع يلتفت، ليس فقط إلى مهارتها، بل إلى جرأتها في اللعب، ثقتها، نظراتها التي تقول: "أنا هنا، ولن أرحل بسهولة."
بعد البطولة، انهالت العروض. لكنها اختارت عرضًا من نادٍ تركي، خطوة أولى نحو أوروبا. لم يكن القرار سهلًا؛ فتاة في عمر العشرين، تغادر العراق وحدها، تحترف الرياضة في بيئة مختلفة، وجمهور مختلف، وثقافة لا تعرف عنها شيئًا. لكنها غادرت... ونجحت.
أول عراقية في دوري أبطال أوروبا للسيدات
في الموسم التالي، جاء الاتصال الحلم. نادٍ أوروبي يشارك في دوري أبطال أوروبا للسيدات يتواصل معها. رسل لم تصدق الأمر في البداية. "ظننتها مزحة من صديقة"، تقول وهي تضحك. لكنها لم تكن مزحة. انتقلت إلى الفريق، وارتدت القميص، وسمعت موسيقى دوري الأبطال وهي تقف في منتصف الملعب، قلبها يخفق كمن يسمع نشيد وطنه للمرة الأولى.
في أول مشاركة لها، دخلت كبديلة. تمريرة حاسمة، ومراوغة خلّابة، وحضور يُشبه الكبار. بدأت الصحف تكتب عنها، بعضها للمرة الأولى تكتب عن لاعبة عراقية. والبعض الآخر يسأل: من هذه؟ من أين جاءت؟ وكيف وصلت؟
رسل تتحدث: "أنا لا أمثل نفسي فقط، بل كل فتاة عربية تحلم"
في لقاء متلفز معها بعد إحدى المباريات، سُئلت عن شعورها كأول لاعبة عراقية تشارك في هذه البطولة. أجابت بكلمات بسيطة، لكنها عميقة:
"كلما دخلت الملعب، أشعر وكأنني أحمل العراق على ظهري. لا أريد أن أنجح لأجلي فقط، بل لأجل كل فتاة في النجف، في البصرة، في الموصل... الفتيات اللواتي قيل لهن: هذا الطريق ليس لكن."
كان حديثها أكثر من مجرد كلمات؛ كان رسالة.
العودة إلى الوطن: ترحيب لم تتوقعه
عادت رسل إلى العراق في عطلة قصيرة. لم تكن تتوقع شيئًا كبيرًا، لكن المطار كان مزدحمًا. فتيات يرتدين قمصان فريقها الأوروبي، لافتات ترحيب، أطفال يطلبون صورًا. شعرت ولأول مرة أنها تركت أثرًا لا يُمحى. ليست مجرد رياضية ناجحة، بل نموذج. فتاة تشبههم، تتكلم بلهجتهم، واجهت نفس العراقيل... ومع ذلك، وصلت.
كيف غيّرت رسل صورة الرياضة النسائية في العراق؟
قبل رسل، كانت الرياضة النسائية في العراق تعاني من التهميش، حتى في الإعلام. بعد تألقها، تغيرت النظرة تدريجيًا. أُطلقت أكاديميات نسائية جديدة، وبدأت اتحادات الأندية تفكر جديًا في الاستثمار بالفرق النسوية، خاصة في الفئات العمرية.
الأهم، أن الكثير من العائلات بدأت تسمح لبناتها باللعب. تقول إحدى الأمهات من بغداد:
"حين رأيت رسل في دوري الأبطال، قلت لنفسي: لماذا لا تكون ابنتي مثلها؟"
الخطوة التالية... وهل تحلم بالعودة؟
رغم تألقها الأوروبي، لم تنس رسل منتخب بلادها. أكدت مرارًا رغبتها في تمثيل المنتخب الوطني في بطولات قارية. بل وأبدت استعدادها للمساعدة في تدريب اللاعبات الصغيرات أثناء العطل. تحلم أن تؤسس أكاديمية رياضية خاصة في العراق، تحمل اسمها، وتكون منصة لاكتشاف المواهب من الفتيات اللواتي لا يجدن فرصة.
رسل الخفاجي... أكثر من لاعبة كرة قدم
رسل لم تأتِ فقط لتسجل أهدافًا أو تحقق أرقامًا. جاءت لتكسر قالبًا، لتعيد تعريف النجاح من زاوية عراقية نسوية. جاءت لتقول:
"من قال إن العراق لا يصدر إلا الحزن؟ انظروا إليّ، أنا رسل الخفاجي... عراقية، وأسطّر المجد بكرة."
نهاية مفتوحة...
قصة رسل لا تنتهي هنا. ما زالت في بداية العشرينيات من عمرها. أمامها سنوات من التألق، من التحديات، وربما من البطولات. لكن ما أنجزته حتى الآن، يكفي ليُقال عنها إنها "أعادت الحلم إلى الملاعب العراقية"... بحذاء كرة، وعزيمة لا تلين.