تصاعد الخۏف والارتباك بسرعة عند الطلاب الدوليين في هارفارد
تمثل جامعة هارفارد واحدة من أرقى مؤسسات التعليم العالي في العالم، ويطمح إليها آلاف الطلاب الدوليين كل عام. لكن في الأشهر الأخيرة، شهد الحرم الجامعي حالة من القلق والتوتر المتصاعد بين صفوف الطلاب الدوليين، خاصة مع ازدياد تعقيد القوانين، وتزايد الحساسيات السياسية، وتقلّب السياسات المتعلقة بالهجرة والدعم الأكاديمي.
هذه الحالة الجديدة من الخۏف والارتباك، التي عبّر عنها عدد من الطلاب الدوليين في مقابلات وتقارير إعلامية، لم تعد مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبحت واقعًا يوميًا يؤثر على المسار الأكاديمي والمعنوي لهؤلاء الشباب الذين تركوا أوطانهم بحثًا عن العلم والاستقرار.
خلفية: من حلم إلى تحدٍّ
لطالما كانت هارفارد وجهة علمية مرموقة تجذب الطلاب من أكثر من 100 دولة. وتُعرف الجامعة ببيئتها التعددية وانفتاحها على الثقافات المختلفة. لكن منذ بداية العقد الحالي، وبخاصة بعد تفاقم التوترات السياسية العالمية وتغير السياسات الداخلية في الولايات المتحدة، بدأ الطلاب الدوليون يشعرون بأن مكانتهم في الجامعات الأمريكية لم تعد آمنة كما كانت.
في عام 2024، ومع تصاعد الحركات الطلابية المناهضة للحروب والاحتلالات حول العالم، أصبحت هارفارد ومؤسسات مشابهة وسط عاصفة من الجدل، طالت حتى الطلاب الأجانب، الذين باتوا يخشون من التعبير عن آرائهم خوفًا من الترحيل أو قطع الدعم الأكاديمي.
الخۏف من الترحيل وتقييد التأشيرات
واحدة من أبرز مصادر القلق لدى الطلاب الدوليين تتمثل في الخۏف من فقدان تأشيرات الدراسة، خاصة في حال تورطهم، حتى دون قصد، في نشاط سياسي أو احتجاج طلابي. يقول أحد الطلاب القادمين من الشرق الأوسط، والذي فضّل عدم ذكر اسمه:
"أشعر أنني مراقب دائمًا... حتى مشاركتي في ندوة نقاشية يمكن أن تُفسر بشكل خاطئ وتؤثر على وضعي القانوني."
ويشير خبراء قانونيون إلى أن بعض التعديلات في سياسات الهجرة الجامعية تسمح بمراجعة أوضاع الطلاب في حال تورطهم في أي "سلوك غير أكاديمي" قد يُنظر إليه على أنه يتعارض مع مصلحة الأمن القومي أو استقرار الحرم الجامعي.
تصاعد التوترات الثقافية والسياسية
من جهة أخرى، يعاني الطلاب الدوليون من تصاعد التوترات الثقافية داخل الصفوف الدراسية. ففي كثير من الأحيان، يشعر الطلاب بأن آرائهم السياسية أو خلفياتهم الثقافية قد تصبح موضع جدل أو تحامل. بعضهم يتجنب النقاشات التي تتعلق بالقضايا الجيوسياسية، مثل الحروب في الشرق الأوسط أو النزاعات الدولية، خوفًا من الوصم أو الاستهداف.
هذا الجو المشحون جعل بعض الطلاب يتراجعون عن المشاركة الفعالة في الحياة الجامعية، ما يؤثر على تحصيلهم العلمي وتفاعلهم الاجتماعي.
الدعم النفسي: غير كافٍ
مع ارتفاع مستويات القلق، لجأ العديد من الطلاب إلى خدمات الدعم النفسي في الجامعة. لكن وفقًا لعدة شهادات، فإن النظام لا يستوعب الكم الكبير من الحالات، أو لا يقدّم الدعم المطلوب بالسرعة الكافية.
تقول طالبة من جنوب آسيا:
"حجزت موعدًا مع استشاري نفسي وانتظرت ثلاثة أسابيع. عندما دخلت، شعرت أنني مجرد حالة رقمية. لم يسألوني حتى عن خلفيتي أو وضعي كطالبة دولية."
هذه الشهادات تشير إلى حاجة ملحة لتطوير برامج دعم نفسي وثقافي مخصصة للطلاب الدوليين، تأخذ بعين الاعتبار تحديات الغربة، الاختلافات الثقافية، وضغوط الدراسة في بيئة تنافسية.
صوت المجتمع الطلابي
رغم حالة الارتباك، بدأت بعض الأصوات داخل الجامعة تنادي بضرورة دعم الطلاب الدوليين بشكل علني وواضح.
وقد رفعت هذه المجموعة مؤخرًا رسالة مفتوحة إلى إدارة الجامعة تطالب فيها بـ:
توضيح موقف الجامعة من حماية حرية التعبير للطلاب الدوليين.
ضمان عدم استخدام مشاركاتهم الفكرية سببًا لسحب تأشيراتهم.
تعزيز الموارد النفسية والدعم الثقافي.
زيادة الشفافية في التعامل مع مكاتب الهجرة والشؤون الطلابية.
إدارة هارفارد: توازن دقيق
من جهتها، حاولت إدارة الجامعة التوازن بين الحفاظ على الأمن والاستقرار في الحرم الجامعي، وبين حماية حقوق الطلاب الدوليين. في بيان رسمي، أكدت الإدارة أنها "ملتزمة بضمان بيئة تعليمية آمنة وشاملة لجميع الطلاب، بغض النظر عن جنسيتهم أو خلفيتهم الثقافية."
لكن كثيرين يرون أن هذا التعهد لا يكفي ما لم يُترجم إلى إجراءات عملية وملموسة.
نظرة للمستقبل
يشير المحللون إلى أن ما يحدث في هارفارد ليس ظاهرة منعزلة، بل يعكس حالة عامة في الجامعات الأمريكية الكبرى، حيث تتقاطع الأكاديمية مع السياسات الدولية والهجرة والتنوع الثقافي.
إن حماية الطلاب الدوليين — الذين يشكلون ركيزة من ركائز التميز الأكاديمي — تتطلب سياسات شفافة، ودعمًا نفسيًا فعّالًا، ومناخًا منفتحًا للنقاش والتعبير.
خاتمة
القلق والارتباك الذي يشعر به الطلاب الدوليون في هارفارد ليس نتيجة لحاډثة عابرة، بل هو تراكم لمجموعة من التحديات المرتبطة بالسياسات، الثقافة، والدعم المؤسسي. وعلى الجامعات العريقة أن تعي أن قوتها لا تكمن فقط في سمعتها الأكاديمية، بل في قدرتها على احتضان التنوع، وحماية طلابها — أينما كانوا.