الرئيسان الجزائري والسوري يعلنان غيابهما عن القمة العربية
غياب الرئيسين الجزائري والسوري عن القمة العربية: صمتٌ يثير الضجيج
في لحظة ينتظر فيها العالم العربي اجتماع قادته حول طاولة واحدة لمناقشة التحديات المصيرية التي تهدد أمنه واستقراره، يُعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون والرئيس السوري أحمد الشرع عن غيابهما عن القمة العربية القادمة. قرار مفاجئ في توقيته، مثير في أبعاده، يفتح الباب على مصراعيه للتأويلات، ويثير علامات استفهام حول كواليس السياسة الإقليمية وتحولاتها.
الغياب في لحظة حساسة
لا يأتي هذا الغياب في زمن عادي. العالم العربي يقف على مفترق طرق، وسط ملفات ساخنة تبدأ من سوريا ولا تنتهي عند الأزمات الاقتصادية، والصراعات الإقليمية، والتحولات الجيوسياسية العالمية. القمة العربية، التي لطالما وُصفت بأنها رمزية أكثر منها فاعلة، أصبحت مؤخرًا منصة تُراقب عن كثب، خاصة في ظل إعادة ترتيب المحاور والتحالفات، ومحاولات إحياء الدور العربي الجماعي.
في هذا السياق، يغدو غياب أي زعيم عربي حدثًا لافتًا، فكيف إذا كان الغياب مزدوجًا ويشمل رئيسين لدولتين محوريتين؟ الجزائر، التي تُعتبر صوتًا داعمًا للوحدة العربية، وسوريا التي عادت مؤخرًا إلى مقعدها في الجامعة العربية بعد غياب طويل نتيجة الحړب الأهلية. لذلك، فإن هذا الغياب لا يمكن أن يُفهم على أنه مجرّد موقف شخصي، بل يحمل دلالات أعمق قد ترتبط بتركيبة المشهد السياسي العربي الراهن.
الجزائر: بين الموقف الثابت والدبلوماسية الصامتة
لطالما تبنت الجزائر مواقف واضحة في القضايا العربية، رفض التدخلات الأجنبية، والدعوة لسيادة القرار الوطني. في السنوات الأخيرة، حاولت الجزائر تقديم نفسها كوسيط ومُوحّد للموقف العربي، خاصة من خلال استضافة القمم والتعبير عن مواقف متزنة.
غياب الرئيس الجزائري عن القمة قد يُقرأ على أكثر من وجه. البعض قد يراه رسالة احتجاج غير مباشرة على تهميش بعض المبادرات، أو اختلاف في أولويات الطرح، أو حتى على طريقة معالجة الملفات الحساسة كالأزمة في السودان. آخرون قد يرجعونه لأسباب داخلية بحتة، تتعلق بترتيبات داخلية أو اعتبارات صحية أو سياسية.
إلا أن الأكيد هو أن الجزائر، حين تغيب، فإن غيابها لا يكون بلا معنى. إذ اعتادت الدولة الجزائرية أن تعبّر عن مواقفها أحيانًا بالصمت، وتترك المجال للتأويل دون إغلاق الباب أمام التواصل. غيابها هذه المرة قد يكون وسيلة ضغط ناعمة لإعادة ترتيب الأوراق، أو إعادة توجيه بوصلة النقاش داخل البيت العربي.
سوريا: عودة معلّقة رغم الحضور الرمزي
أما غياب الرئيس السوري، فهو ملف يحمل من التعقيد ما يعجز عن اختزاله عنوان أو تصريح. فبعد سنوات من الغياب عن الجامعة العربية نتيجة الحړب والانقسام العربي حول الموقف من النظام، جاءت عودة سوريا إلى الجامعة العام الماضي كخطوة لافتة، أشعلت الجدل وأثارت التساؤلات.
رغم أن عودة المقعد السوري فُسّرت على أنها انتصار رمزي للدبلوماسية السورية، إلا أن الغياب الفعلي للرئيس أحمد الشرع عن القمة يفتح باب التساؤل: هل عادت سوريا بالكامل إلى الحاضنة العربية؟ أم أن العودة لا تزال شكلية، والاندماج الكامل لم يحن وقته بعد؟
يمكن أن يُفهم هذا الغياب على أنه تعبير عن تحفظ على بعض توجهات القمة، أو رغبة في عدم الاصطدام مع بعض المواقف العربية المتباينة. وربما تكون هناك رسائل أرادت دمشق إيصالها عبر هذا الغياب، مثل أن عودتها لا تعني التخلي عن مواقفها السابقة أو أنها أصبحت جزءًا من تحالفات جديدة لا تتسق مع مصالحها.
القمة دون قادة: هل تفقد معناها؟
عندما تتغيب قيادات من هذا الوزن عن لقاء عربي جامع، فإن السؤال البديهي هو: ما قيمة القمة من دونهم؟ في السياسة، الغياب في حد ذاته رسالة، وهو أحيانًا أقوى من الحضور، خاصة إن جاء من دول تُعتبر ذات تأثير معنوي وسياسي في المحيط العربي.
غياب الجزائر وسوريا يُضعف الصورة الموحدة التي تحاول الجامعة العربية تصديرها، ويعيد إلى الواجهة مشكلة عدم الانسجام العربي. فعلى الرغم من التصريحات المتفائلة والإعلانات المشتركة، إلا أن الواقع يعكس تباينًا في الرؤى واختلافًا في الأولويات، ما يجعل الوحدة العربية مشروعًا صعب المنال إن لم يتم تجاوزه بالحوار الصريح والمباشر.
ما وراء الغياب: قراءة في الرسائل
غياب الرئيسين لا يجب أن يُقرأ فقط كأمر سلبي، بل كفرصة لفهم المزاج العربي المتغيّر، ومحاولة لإعادة ضبط آليات العمل الجماعي. الرسالة الواضحة من هذا الغياب هي أن الأطر التقليدية للعمل العربي لم تعد كافية، وأن هناك حاجة ملحة لتجديد الآليات، وإعطاء وزن أكبر للملفات العالقة، وللمواقف التي لا تُقال في العلن.
ربما على القمم العربية المقبلة أن تتجاوز الجانب البروتوكولي، وأن تبدأ بالأسئلة الصعبة، والاعتراف بأن المقاطعة أو الغياب قد يكون أحيانًا وسيلة صامتة للتعبير عن عدم الرضا، أو للدعوة إلى مقاربة جديدة أكثر واقعية وجرأة.