ټوفيت الأخت إينا كانابارو لوكاس، الراهبة البرازيلية أكبر معمرة
في مساء هادئ من أواخر أبريل، غادرتنا الأخت إينا كانابارو لوكاس عن عالمنا بعد رحلة طويلة امتدت لأكثر من قرن، لترحل معها ليس فقط أقدم إنسانة حية في العالم، بل رمزٌ للصمود، الإيمان، والإنسانية. وُلدت إينا في ريف ريو غراندي دو سول البرازيلي عام 1908، وعاشت حياةً مكرسة للتعليم والخدمة الدينية قبل أن تحتفل ببلوغاتها الـ110 والـ115 بمحبة وتقدير من بابا الفاتيكان ومن المجتمع الدولي . في هذا المقال نستعيد معها أهم محطات رحلتها الإنسانية، أسرار طول عمرها، وظلال الرحمة التي تنشرها ذكراها بين من عرفها وعرفوا عن مسيرتها.
نبض الحياة: من طفولة هشة إلى عزيمة فولاذية
وُلدت إينا كانابارو لوكاس في 8 يونيو 1908 ببلدة ساو فرانسيسكو دي آسيس في ولاية ريو غراندي دو سول، وسط أسرة ريفية بسيطة. منذ نعومة أظافرها، كان جسدها نحيلًا إلى درجة شكَّ البعض في قدرتها على البقاء، لكنَّ بداخلها روحًا لا تُقهر . كانت ابنة جواو أنطونيو لوكاس وماريا كانابارو لوكاس، ونشأت بين ستة أخوة، قبل أن يخطف والدها وهو يقاتل متطوعًا خلال ثورة 1923، تاركًا وراءه أوجاع الفراق وأحاسيس الحزن المبكر .
عندما شبَّت قليلاً، وجدت في التعليم والروحانية ملاذًا يقلل من وثرة الألم ويمنحها هدفًا أعلى من ذاتها. التحقت بمدرسة داخلية للراهبات في سانتانا دو ليفرامينتو وهي في السادسة عشرة، حيث بدأت تضع اللبنات الأولى لحياة مكرسة للعلم والإيمان .
الدعوة الرهبانية: عقود من الخدمة والتعليم
في عام 1927، عقدت الأخت إينا نذورها الدائمة مع جماعة راهبات سانتا تيريزا دي خيسوس، لتنخرط بعدها في مهمتين أساسيتين: تبشير بالعلم والرعاية الروحية. انتقلت إلى مونتفيديو بالأوروغواي لتلقي التأكيد الديني، ثم عادت إلى البرازيل لتدرس اللغة البرتغالية والرياضيات في حي تيجوكا الشهير بريو دي جانيرو .
على مدى عقود، أسست الأخت إينا فرقة موسيقية مدرسية ضمّت أكثر من مئة آلة نفخ وضړب، وقادتها في عروض فنية عبر الحدود إلى الأوروغواي والأرجنتين، ناشرة بذلك رسالتها التربوية وروح الفريق . رفضت التقاعد حتى عام 1995، مواصلة إشعال شغف التعلم في نفوس طلابها وتمدُّ يدها لكل محتاج.
أسرار طول الحياة: الانضباط والروح المرحة
حين سُئلت عن سر حافظها على الحياة حتى الـ116، أشارت الأخت إينا دائمًا إلى نظام يومي صارم: مواعيد ثابتة للنوم والاستيقاظ، وجبات بسيطة متوازنة، وخمس صلوات يومية تكرس لها لحظات من السکينة والتأمل .
لكن رغم هذا الانضباط، لم تفقد روح الدعابة والألفة؛ فقد كانت تبث البهجة في دار الرعاية بضحكتها العفوية وحرصها على مشاركة الطرائف مع الراهبات الصغيرات سنًّا، مؤكدة أن الامتنان للحياة هو المفتاح الأهم .
لحظات الوداع: رحيلٌ بهدوءٍ يشبه الصلاة
في مساء 30 أبريل 2025، وبين جدران مسكن راهبات تراسيريانا في بورتو أليغري، رحلت الأخت إينا بسلامٍ تام، وكأنها انطفأت شمعة بهدوء بعد أن أضاءت حياة الآلاف من حولها وفقًا لرواية مدبّرة الرعاية لوكيا إيجنيز باسّوتو:
“لم نشعر بغيابها، كانت تنام كالمعتاد، ثم وقفت قلوبنا من هدوء الموقف وروح السلام التي كانت تحيط بها”.
بعد أيام من الصمت وعزاء الأهل والأصدقاء، نُظم قداس وداع وتوديع رمزي لجسدها، وفق وصيتها بحرقه، كما يحدث في تقاليد جماعتها الروحية.
الإرث باقٍ: من تتويج عالمي إلى قصصٍ تُروى
على الصعيد العالمي، سجلت الأخت إينا في نهاية ديسمبر 2024 أنها أصبحت أقدم شخص حي في العالم بعمر 116 عامًا و204 أيام، وفقًا لمؤسسة “لونجيفي كويست” للأبحاث في مجال عمر المئة عام . وانتقلت بعد مۏتها مكانة أقدم شخص حي للبريطانية إيثر كاترهام البالغة 115 عامًا و252 يومًا .
لقد كرّمها البابا فرنسيس شخصيًا بمناسبة بلوغها 110 سنوات، معربًا عن إعجابه بثباتها الروحي وتفانيها التعليمي . كما شارك نادي سبورت كلوب إنترناسيونال، الذي كانت مشجعةً مخلصة له، في التعازي، واصفًا عمرها بأنه “هدية من الله” .
اليوم، تُحلّ ذكراها في القصص التي تُروى عن تلاميذها، وزميلاتها الراهبات، وعائلات البلدة القروية التي بدأ فيها فصل عمرٍ استثنائي. إنها دعوة لنا جميعًا لنتأمل كيف يمكن للإيمان، البساطة، وحب الإنسان أن يبحث في تفاصيل الحياة الصغيرة عن سرٍ كبير… سرِّ أن يعيش الإنسان بسلامِه، وينثر من قلبه دفءً يستمر بعد الرحيل.
“إن الحياة هديةٌ تُعاش بإيمانٍ وشكرٍ، ومع كل شروق شمسٍ جديد، تذكروني في صلاتكم.”
— الأخت إينا كانابارو لوكاس