الكنديون يتوجهون لصناديق الاقتراع في انتخابات مصيرية لتحديد الزعيم القادم للبلاد
في صباح يومٍ ربيعيٍ من 28 أبريل 2025، توجه أكثر من 19.8 مليون كندي إلى صناديق الاقتراع لاختيار الحكومة رقم 45 في تاريخ البلاد، وسط أجواءٍ امتزجت فيها الترقّبات والآمال بالتحديات الاقتصادية والجيوسياسية الداخلية والخارجية. جاء السباق حماسيًا بين زعيم الحزب الليبرالي الجديد مارك كارني، الخبير الاقتصادي المخضرم الذي حلَّ مكان جاستن ترودو، وزعيم المعارضة المحافظ بيير بويليفر، الذي رفع شعار “كندا أولًا” مستثمرًا مخاۏف الناخبين من التعريفات الجمركية الأمريكية وتداعياتها على الاقتصاد المحلي. انتهت المنافسة بفوز الليبراليين بأغلبية بسيطة من 170 مقعدًا، ما دفع كارني إلى تشكيل حكومة أقلية تتطلّب تحالفات برلمانية لدعمها في مواجهة ملفات شائكة من المناخ إلى الإسكان وحتى العلاقات مع الجار الأمريكي.
السياق العام والدعوة للانتخابات
في 9 مارس 2025، اختُير مارك كارني زعيمًا للحزب الليبرالي خلفًا لجاستن ترودو، وحينئذٍ قرر أنّ أفضل طريقة لحشد شرعية شعبية لقوانينه الإصلاحية هي الدعوة لانتخابات مبكرة، لا سيما في ظل التوتر المتصاعد مع إدارة ترامب بسبب فرض رسوم جمركية على الصادرات الكندية. من جهته، رأى بيير بويليفر في هذا التحرك فرصة لاستعادة الزخم بعد خسارة المحافظين في 2021، فركّز حملته على خفض الإنفاق الحكومي وتقليص حجم الهجرة وأولوية دعم الصناعات التقليدية مثل النفط والغاز.
أبرز المرشحين وبرامجهم
مارك كارني والحزمة الخضراء
قدم كارني، الحاكم السابق لبنك إنجلترا وبنك كندا، خطة اقتصادية ترتكز على دعم التحول الأخضر والاستثمار في التكنولوجيا النظيفة، مع وعود بخلق ملايين فرص عمل جديدة وتقليص الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية. كما تعهّد بتخفيض ضرائب ذوي الدخل المتوسط وإطلاق مشاريع إسكانية مدعومة حكوميًا للتخفيف من أزمة ارتفاع أسعار المنازل.
بيير بويليفر ورسالة “كندا أولاً”
في المقابل، بنى بويليفر شعبيته على خطاب وطني قوي يدعو إلى “كندا أولًا”، متعهدًا بفرض رسوم مضادة على التعريفات الأمريكية وسرعة استخراج تصاريح تنقيب عن النفط والغاز لتعزيز الأمن الطاقي المحلي. وشدّد على ضرورة إعادة ثقة المستثمرين عبر خفض الضرائب على الشركات وتبسيط قوانين العمل.
قضايا المحوَرة خلال الحملة
التوتر مع الولايات المتحدة
قفز موضوع الحړب التجارية والتعريفات الجمركية التي فرضها ترامب إلى مقدمة الحوارات الانتخابية، حيث رأى الليبراليون أن التنويع التجاري نحو الاتحاد الأوروبي والهند ضرورة عوضًا عن الاعتماد المطلق على السوق الأمريكية.
أزمة الإسكان والديون
عانى الشباب خصوصًا من صعوباتٍ متزايدة في شراء المنازل، فجاءت وعود كارني ببناء 1.4 مليون وحدة سكنية خلال خمسة أعوام محل ترحيب؛ فيما اقترح بويليفر حوافز ضريبية للأسر الأولى ومرونة أكبر في شروط القروض العقارية.
المناخ والطاقة
كانت التزامات كندا في اتفاق باريس للمناخ محورًا آخر، إذ وعد كارني بزيادة حصة الطاقة المتجددة إلى 60% بحلول 2030، بينما اعتبر بويليفر هذا “تهافتًا أخضر” قد يضرّ بقطاع الطاقة التقليدية ويسبب خسائر وظيفية في الأقاليم الصناعية.
إقبال الناخبين وتلوين المشهد الإنساني
شهدت الانتخابات أعلى نسبة مشاركة منذ 1993، إذ بلغت نسبة المصوتين 69.5% من المسجلين، أي أكثر من 19.8 مليون صوت أدلى به الكنديون. وفي كواليس مراكز الاقتراع، انتشرت صورٌ مؤثرة: مسنون يصلون قبل طلوع الشمس للإدلاء بصوتهم، وعائلات تهدي الأطفال ملصقات الحملة، ومجموعات شبابية من خلفياتٍ متعددة ترفع شعار “صوتٌ واحدٌ لمستقبلٍ مشترك”. لم تخلُ اللحظات أيضًا من البسمة، كما في مقاطع قصيرة متداولة لمتقدمين إمساكهم بالأقلام ليسودّوا ورقة الاقتراع قبل أن يضحكوا ويتبادلوا النكات حول اختياراتهم.
النتائج وما بعدها
أسفرت النتائج الأولية عن فوز الليبراليين بـ170 مقعدًا مقابل 143 للمحافظين، مما اضطر كارني لتشكيل حكومة أقلية تعتمد على دعم أحزاب كيبيك والخضر لضمان الاستقرار البرلماني. وأكد كارني في خطابه الأول بعد الفوز أن “الكنديين منحونا فرصة لإجراء إصلاحات جريئة، وعلينا أن نكون عند حسن ظنّهم” .
التحديات المستقبلية
تنتظر الحكومة الجديدة ملفاتٍ معقّدة: إعادة بناء الثقة الاقتصادية في ظل ضغوط عوارض الركود العالمي، وإنجاح برنامج الإسكان الموعود، وتحقيق التوازن بين طموحات البيئة ومستوجبات الطاقة التقليدية، فضلاً عن ضبط العلاقة المتوترة مع الولايات المتحدة.
بينما تماهى صوت الناخبين مع أوراق الاقتراع في ذلك الربيع الحاسم، يظل الأمل معقودًا على قدرة الساسة الجدد في أوتاوا على تحويل وعود الحملة إلى واقعٍ ملموس، يحافظ على كندا نموذجًا للديمقراطية والازدهار في قلب قارةٍ يضجّ فيها التغيير سريعًا ومتقلبًا.