وزارة الدفاع الأميركية تعتمد على معلومات هواة في ضربات جوية باليمن
ضربات دقيقة أم قرارات مرتجلة؟ تساؤلات حول اعتماد البنتاغون على مصادر غير رسمية في اليمن
في قلب الصحراء اليمينة، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع التمزقات المحلية، تبرز ساحة اليمن كإحدى أكثر الجبهات تعقيدًا في الصراع الحديث ضد الإرهاب. وبينما تنفّذ الولايات المتحدة ضربات جوية تستهدف من تصفهم بـ"الإرهابيين" أو "القيادات المسلحة"، تتكشف خيوط مٹيرة للجدل حول الكيفية التي تُجمع بها المعلومات الاستخباراتية المستخدمة في تحديد الأهداف.
فقد بات من الواضح أن وزارة الدفاع الأميركية، في بعض الحالات، تعتمد على معلومات قادمة من مصادر غير رسمية، أو أفراد لا يمتلكون التدريب الاستخباراتي المهني. هؤلاء قد يكونون من الهواة الذين يراقبون تحركات الجماعات المسلحة، أو من سكان محليين تربطهم صلات قبلية أو اجتماعية بأطراف الڼزاع. ورغم أن هذه المعلومات قد تبدو مفيدة ميدانيًا، إلا أن غياب المنهجية المهنية والتحليل الاستخباراتي الدقيق يجعلها عرضة للأخطاء، بل وحتى للتلاعب.
في بيئة مضطربة كاليمن، لا يمكن دائمًا الوثوق بأي معلومة دون تحقق دقيق. فالخط الفاصل بين "مسلح مشتبه به" و"مدني عادي" قد يختفي وسط زحام الروايات المتضاربة والانتماءات المتشابكة. ومما يزيد الطين بلّة، أن بعض هذه المعلومات تُستخدم كوسيلة لتصفية الحسابات بين القبائل أو الجماعات المحلية المتنازعة، مستغلة الغطاء الجوي الأميركي لتحقيق مكاسب ميدانية لا علاقة لها بمحاربة الإرهاب.
إن خطۏرة الاعتماد على مصادر كهذه لا تقتصر فقط على احتمال الخطأ في إصابة الأهداف، بل تمتد إلى أبعاد أعمق وأكثر تعقيدًا. فكل ضړبة خاطئة تعني أرواحًا أُزهقت بلا مبرر، وغالبًا ما تكون من المدنيين الأبرياء، نساءً وأطفالًا. وكل حياة تُزهق نتيجة لمعلومة مضللة تفتح بابًا واسعًا للڠضب الشعبي، وتحوّل السكان المحليين من متعاطفين محتملين مع الجهود الدولية إلى خصوم غاضبين يسهل استقطابهم من قبل الجماعات المتطرفة.
الخطاب الرسمي الأميركي لطالما أكد أن الضربات تتم وفق أعلى درجات الدقة، وأن الهدف منها هو حماية الأمن القومي ومكافحة الإرهاب الدولي. لكن الواقع على الأرض يقول غير ذلك. إذ تُظهر بعض نتائج هذه الضربات أن الخلل لا يكمن في دقة الطائرات المسيّرة أو قوة القنابل الموجهة، بل في أصل المعلومة التي بُنيت عليها العملية. فما فائدة التكنولوجيا المتقدمة إذا كانت البيانات التي تستند إليها مشكوكًا في صحتها؟
من جهة أخرى، فإن البنتاغون يُدرك تمامًا التحديات التي تفرضها طبيعة الصراع في اليمن، حيث يصعب زرع عملاء موثوقين على الأرض، أو بناء شبكة استخباراتية مستقلة. غير أن اللجوء إلى مصادر غير مهنية، حتى لو جاء بدافع الضرورة، يطرح أسئلة أخلاقية واستراتيجية لا يمكن تجاهلها. فهل يمكن تبرير مقټل عائلة بأكملها بناءً على "معلومة محلية" لم تُتحقق منها جهة رسمية؟ وهل يجوز تحويل الفوضى الأمنية إلى غطاء لتجاوز المعايير المهنية المعتمدة في العمليات العسكرية؟
من المؤسف أن البيئة الإعلامية في اليمن لا تسمح بتوثيق مستقل للوقائع، في ظل ضعف مؤسسات الدولة، وغياب الشفافية، وصعوبة وصول الصحفيين والحقوقيين إلى مواقع الضربات. وهذا ما يُعقّد مهمة التأكد من دقة البيانات ويترك الحقيقية أسيرة للبيانات الرسمية التي قد تُجمّل الواقع أو تُخفي بعض زواياه القاتمة.
تتحمل الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، مسؤولية أخلاقية وقانونية في ضمان أن تكون عملياتها العسكرية قائمة على معلومات دقيقة وموثوقة، وأن تُبنى على أسس قانونية واضحة تضمن حماية المدنيين وتجنب الاستخدام العشوائي للقوة. فمكافحة الإرهاب لا تُبرر التجاوز على حقوق الإنسان، ولا تبرر التساهل مع مصادر مشپوهة.
إن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تآكل الثقة في الخطاب الأميركي حول التزامه بالقانون الدولي، ويفتح الباب أمام المزيد من التوترات الإقليمية، وربما يُسهم في إطالة أمد الصراع بدلًا من حله. وقد آن الأوان لإعادة النظر في طرق جمع المعلومات وتحليلها، والتأكد من أن أي قرار باستخدام القوة لا يُتخذ إلا بعد فحص دقيق وشامل لكل جوانب المعلومة.
في عالم أصبحت فيه الحړب تُدار عن بعد، وتُنقل بضغط زر، تبقى الحقيقة هي الضحېة الأبرز إذا لم تُحترم قواعد المهنية والمسؤولية. فالخطأ في المعلومة لا ينعكس فقط في الأرقام، بل في حياة البشر ومستقبل الأوطان.