الإمارات لا تعترف بقرار سلطة بورتسودان
في خضم الفوضى السياسية والحړب المستمرة في السودان، فاجأت سلطات بورتسودان الرأي العام الإقليمي بقرار طرد السفير الإماراتي، في خطوة تُعد تصعيدًا حادًا في العلاقة المتوترة أصلًا بين الخرطوم وأبوظبي. لكن ما بدا أنه قرار سيادي من سلطة محلية، لم تعترف به الإمارات، التي اعتبرته فاقدًا للشرعية السياسية والدبلوماسية.
هذا الموقف يُسلّط الضوء على شبكة معقدة من التجاذبات الجيوسياسية، ويثير تساؤلات عن حدود الشرعية في السودان، وعن دور القوى الإقليمية في صراع داخلي باتت أبعاده تتجاوز الجغرافيا السودانية.
القرار: رسالة سياسية مغلفة بردّ دبلوماسي
في وقت لم يصدر فيه بيان رسمي من المجلس السيادي أو الحكومة السودانية المركزية بشأن القرار، برزت خطوة سلطة بورتسودان – التي تتخذ من المدينة مقرًا فعليًا للحكومة منذ انسحابها من العاصمة الخرطوم – وكأنها إعلان واضح برغبتها في إرسال رسالة حادة إلى الإمارات. الرسالة ليست فقط بشأن اټهامات دعم قوات الدعم السريع، بل أيضًا تعبير عن التمرد على النفوذ الخليجي المتزايد في الشأن السوداني.
شددت على أن من يصدر مثل هذا القرار يجب أن يمتلك شرعية دستورية تمثيلية، وهو ما يفتقر إليه – بحسب وجهة نظرها – أي كيان سياسي في السودان حاليًا خارج مظلة الإجماع الدولي.
خلفيات التوتر: ما بين المواقف المعلنة والتحركات السرية
لم تكن العلاقات السودانية الإماراتية دائمًا على هذا المستوى من التوتر. فقد لعبت الإمارات دورًا محوريًا في دعم الانتقال السياسي بعد سقوط نظام البشير عام 2019، وساهمت ماليًا وسياسيًا في دعم بعض مكونات الحكم الانتقالي، خصوصًا الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قائد قوات الدعم السريع.
ومع انطلاق الحړب في أبريل 2023 بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان والدعم السريع، انقلب المشهد. اتهمت أطراف في الجيش الإمارات بتوفير دعم لوجستي وميداني للدعم السريع، بما في ذلك نقل أسلحة عبر تشاد وأوغندا. الإمارات نفت مرارًا هذه الاټهامات، واعتبرتها حملة تشويه تخدم أطرافًا دولية وإقليمية.
بورتسودان: أكثر من مجرد مدينة
قرار بورتسودان بطرد السفير يكشف حجم التحول الذي شهدته المدينة الساحلية. فبعد أن أصبحت مقرًا للوزارات والسفارات التي انسحبت من الخرطوم، صارت تمثل "العاصمة البديلة" للدولة السودانية. غير أن هذه "السلطة الانتقالية" لا تزال محل نقاش من ناحية الاعتراف الدولي والشرعية القانونية.
هذا ما دفع الإمارات إلى تجاهل القرار، معتبرة أنه صادر عن جهة "محلية" غير مخوّلة باتخاذ قرارات سيادية. لكن في واقع الأمر، فإن تجاهل القرار لم يلغِ أثره الرمزي، بل على العكس، أظهر مدى الانقسام السياسي العميق في السودان، حتى على مستوى إدارة العلاقات الخارجية.
أزمة تعكس الصراع الإقليمي في السودان
القرار السوداني الأخير ليس معزولًا عن السياق الأوسع. فالصراع في السودان تحوّل منذ فترة إلى ساحة تنافس إقليمي غير مباشر بين قوى مثل الإمارات، مصر، تركيا، روسيا، وحتى إسرائيل. ولكل من هذه الدول مصالح اقتصادية وأمنية، تمتد من السيطرة على الموانئ إلى النفوذ في ملفات البحر الأحمر.
وبينما تُتهم أبوظبي بدعم فصيل مسلح على حساب الجيش، تواجه مصر اټهامات مماثلة من الجانب الآخر، ما يعني أن الأزمة تتغذى على حسابات إقليمية معقدة، يصعب تفكيكها أو ضبطها دون تسوية سياسية شاملة تُعيد تعريف طبيعة الحكم في السودان.
هل تعود العلاقات إلى طبيعتها؟
العودة إلى حالة طبيعية في العلاقات بين السودان والإمارات تبدو بعيدة في الأمد القريب، إلا إذا حدث تحول جذري في موازين القوى على الأرض. فالإمارات لن تغامر بعلاقاتها ومصالحها الاستراتيجية في المنطقة لمجرد مواجهة مع كيان سياسي غير مستقر. والسودان بدوره لن ينسى ما يراه "تدخلاً سافرًا" في شؤونه، خصوصًا في مرحلة حساسة من تاريخه.
في انتظار حوار جدي
بين اټهامات التدخل الخارجي ورفض الاعتراف بشرعية قرار محلي، تقف العلاقات السودانية الإماراتية أمام مفترق طرق حقيقي. الواقع أن ما يجري ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو امتداد لصراع طويل على النفوذ والتمثيل والشرعية.
إن لم يتم احتواء هذه التوترات عبر قنوات دبلوماسية حقيقية وبمساعدة من أطراف إقليمية محايدة، فقد تتحول الأزمة من مجرد خلاف سياسي إلى قطيعة طويلة تؤثر على استقرار القرن الإفريقي بأكمله.