ترأس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين موكب يوم النصر في الساحة الحمراء

موقع أيام نيوز

مع شروق شمس التاسع من مايو، امتلأت الساحة الحمراء بأنفاس التاريخ، حيث تجمع عشرات الآلاف تحت سماء موسكو الشاحبة ليشاركوا في واحدة من أقدس المناسبات في الضمير الجمعي الروسي. هذا العام، وقف فلاديمير بوتين كحارس للذاكرة، يراقب باهتمام كل تفصيل في هذا المشهد المهيب الذي يجسد أكثر من مجرد عرض عسكري، بل حوارًا بين ماضي روسيا العريق وحاضرها الصاخب.  

الأجواء بدت وكأنها لوحة زيتية متحركة: قدامى المحاربين، وجوههم محفورة بتجاعيد الزمن، يقفون بفخر وهم ېلمسون ميدالياتهم الصدئة التي تحمل عبق سنوات الحړب. بجانبهم، أطفال يرتدون زيّ البيريسترويكا، يحملون صور أسلافهم بكثير من البراءة وقليل من الفهم لعمق التضحيات. في الخلفية، تتراقص أعلام النصر الحمراء مع نسمات الربيع الباردة، بينما تتدفق حشود المواطنين كموج البحر نحو ساحة الشهداء.  

الاستعدادات لهذا اليوم بدأت قبل أشهر. في ثكنات الجيش الروسي المنتشرة من كالينينغراد إلى فلاديفوستوك، تدرب الجنود لساعات طويلة على خطوات السير المتناغمة. في معامل التصنيع العسكري، جرى تلميع الدبابات والمدافع حتى بدت وكأنها قطع فنية معاصرة. حتى الطرقات المحيطة بالساحة الحمراء خضعت لعملية تجميل دقيقة، حيث غُطيت كل حجرة في الرصيف بطبقة من الطلاء الجديد.  

عندما ظهر الرئيس الروسي في المنصة الرئاسية، ارتدى بزته الرسمية المعتادة لكن مع لمسة مختلفة هذه المرة - شارة نادرة على صدره تعود إلى حقبة الحړب الوطنية العظمى. حركاته كانت مقصودة، كل إيماءة، كل نظرة، كل مصافحة حملت رسالة خاصة. وقف لحظة صمت أمام الڼصب التذكاري، عيناه تتفحصان الأسماء المنقوشة على الجدار، وكأنه يخاطب كل اسم على حدة.  

بدأ الموكب بدقات الساعة العاشرة تمامًا. أول الوحدات العسكرية التي عبرت الساحة كانت فرقة الحرس القديم، يرتدون الزي التاريخي للجيش الأحمر، حاملين بنادق موسين التي صنعت مجد النصر. تبعهم سلاح المدفعية بعرباته التي تجرها الخيول، تذكيرًا بالأيام التي كانت فيها القوة العضوية تكمل القوة الميكانيكية. ثم جاءت القوات الحديثة بعربات "أرماتا" المتطورة ومركبات "تايفون" المضادة للألغام، في مشهد يجسّد التزاوج بين التقاليد العسكرية الروسية والتكنولوجيا المعاصرة.  

لكن المفارقة الأكثر إثارة كانت في القسم الثقافي من المسيرة. فرقة باليه مسرح بولشوي قدمت أداءً استثنائيًا على أنغام السيمفونية السابعة لشوستاكوفيتش، التي ألّفت أثناء حصار لينينغراد. راقصات بالزي الأبيض، يتحركن وكأنهن أشباح الضحايا الذين عادوا للحياة ليشاركوا في الاحتفال. في المقابل، مجموعة من فناني الشوارع قاموا برسم جدارية حية تمثل "ڼصب الجندي المحرر" في برلين، باستخدام الرماد والألوان المائية فقط.  

الجزء الأكثر تأثيرًا جاء عندما توقف الموكب فجأة عند الساعة الحادية عشرة. جميع الحاضرين، من الرئيس إلى أصغر طفل، رفعوا صورًا لأقاربهم الذين شاركوا في الحړب. لحظة صمت استمرت خمس دقائق كاملة، لم يقطعها سوى صوت جرس كاتدرائية القديس باسيل ينعي الضحايا. حتى الطيور المحلقة في السماء بدت وكأنها توقفت عن التحليق خلال هذه الدقائق.  

في كلمته، تحدث بوتين بلغة مختلفة هذه المرة. لم يكتفِ بالخطاب الرسمي المعتاد، بل استخدم تعابير شاعرية: "هذه الحجارة تحت أقدامنا تشرب دماء الأبطال، وهذا الهواء الذي نتنفسه محمل بأنفاس من سقطوا". ثم أضاف بلهجة حازمة: "لكن التاريخ ليس كتابًا يُقرأ مرة واحدة ثم يُرمى على الرف، إنه سيف نصنعه كل يوم بيدينا".  

مع اقتراب النهاية، حدث شيء غير متوقع. مجموعة من الشباب الروس من جيل الألفية قدموا عرضًا باستخدام تقنية الهولوغرام، أعادوا خلاله تصوير مشاهد من معركة ستالينغراد بطريقة ثلاثية الأبعاد. الدموع انهمرت من عيون قدامى المحاربين عندما شاهدوا أنفسهم وهم شباب يقاتلون، وكأن الزمن دار دورة كاملة.  

المفاجأة الأكبر كانت عندما انفتح باب ضخم في نهاية الساحة، ليظهر منه ڼصب تذكاري جديد لم يكشف عنه من قبل - تمثال من البرونز يمثل "أم روسيا" تحتضن جنديًا من القرن الثامن عشر وآخر من الحړب العالمية الثانية وجنديًا معاصرًا، في عمل فني يجسّد استمرارية التضحيات عبر القرون.  

مع غروب الشمس، تحولت الساحة الحمراء إلى بحر من الأضواء. آلاف المشاعل اشتعلت في آن واحد، بينما غنى الجميع معًا أغنية "قدّاس المۏتى" التقليدية. الرئيس وقف منفردًا للحظة، ينظر إلى هذا المشهد وكأنه يحاول اختزان كل هذه المشاعر في ذاكرته.  

هذا الاحتفال لم يكن مجرد استعراض للقوة أو مناسبة رسمية. لقد كان حوارًا معقدًا بين الأجيال، بين التكنولوجيا والتقاليد، بين الذاكرة والنسيان. كل حركة، كل طقوس، كل دقيقة من هذا اليوم كانت جزءًا من محاولة روسيا للإجابة على سؤال وجودي: كيف نحتفظ بماضينا دون أن نصير أسرى له؟ كيف نحتفل بالنصر دون أن نتحول إلى تماثيل من الماضي؟  

في النهاية، غادر الحضور الساحة ببطء، كل منهم يحمل شيئًا مختلفًا: قدامى المحاربين حملوا شعورًا بأن تضحياتهم لم تُنس، الشباب حملوا إحساسًا بالانتماء إلى سلسلة طويلة من التاريخ، بينما غادر بوتين وهو يحمل همًّا جديدًا - كيف سيكتب الجيل القادم فصله الخاص في ملحمة هذه الأمة؟ الساحة الحمراء عادت إلى صمتها، لكن حجارةها ظلت تحكي قصة لن تنتهي.

تم نسخ الرابط