ترامب سيعين صديقه المقرب ستيفن ميلر على رأس الأمن القومي
في خطوة تُعد مؤشراً واضحاً على التوجّه السياسي القادم في حال فوز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية المقبلة، أعلن الرئيس الأمريكي السابق، والمرشح الجمهوري المحتمل لانتخابات 2024، عن نيّته تعيين صديقه القديم ومستشاره المقرب ستيفن ميلر في منصب مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض، خلفاً لمايك والتز، الذي تم ترشيحه مؤخراً ليشغل منصب السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة.
ويمثل هذا التعيين المحتمل عودة قوية لإحدى الشخصيات الأكثر إثارة للجدل في إدارة ترامب السابقة، حيث يُعرف ستيفن ميلر بتشدده في ملفات الهجرة والأمن الداخلي، وهو أحد العقول التي وقفت خلف سياسات مٹيرة للجدل خلال الفترة الرئاسية الأولى لترامب، أبرزها "حظر السفر" الذي استهدف مواطني عدة دول ذات أغلبية مسلمة، وسياسات فصل الأطفال عن ذويهم على الحدود، وتقليص أعداد اللاجئين.
ستيفن ميلر: مهندس السياسات المتشددة
ميلر، الذي شغل منصب مستشار كبير للسياسات خلال إدارة ترامب، كان يُوصف داخل البيت الأبيض بأنه "اليد الخفية" التي تصوغ أكثر القرارات إثارة للجدل. وُلد عام 1985، وسرعان ما دخل المشهد السياسي الأمريكي من بوابة الخطاب المحافظ المتشدد، حيث عمل مع عدد من أعضاء الكونغرس الجمهوريين قبل أن يلفت انتباه دونالد ترامب، الذي وجده متحدثاً شرساً ومُخلصاً لرؤيته الوطنية الشعبوية.
كان ميلر عنصراً فاعلاً في صياغة خطاب ترامب السياسي، سواء على المنصات العامة أو خلف الكواليس، حيث كان من أشد المدافعين عن فكرة "أمريكا أولاً" والتي تمثلت في سياسات انعزالية أحياناً، ومتشددة في أحيان أخرى، خاصة فيما يتعلق بالهجرة والتجارة الخارجية.
انتقادات واسعة وتحذيرات من عودته
رغم علاقته الوثيقة بترامب، فإن ميلر لم يكن محبوباً داخل أروقة الحكم. فقد وصفته أوليفيا تروي، المستشارة السابقة للأمن الداخلي لنائب الرئيس مايك بنس، بأنه "شخص فظيع"، مشيرة إلى سلوكياته المتعجرفة وتعنته في الاجتماعات، بالإضافة إلى ما وصفته بنزعته العنصرية في صياغة السياسات.
وقد صرّحت تروي في مقابلة حديثة أن وجود ميلر في هذا المنصب الرفيع سيمثل تهديداً حقيقياً للتماسك الوطني، مشيرة إلى أنه لا يتردد في دفع أجندته الخاصة ولو على حساب القيم الديمقراطية والإنسانية التي تُفترض في أي إدارة أمريكية.
كما أشار مراقبون سياسيون إلى أن هذا التعيين – في حال تم – سيكون رسالة قوية إلى الداخل والخارج مفادها أن إدارة ترامب القادمة، في حال فوزه، لن تسعى إلى المصالحة أو الوسطية، بل ستُعيد تفعيل ما يسمى بـ"سياسات الصدمة" التي تركز على فرض واقع جديد بقوة القرار التنفيذي، دون الرجوع إلى التوافق السياسي أو الرأي العام.
ترامب يدافع عن خياره: "ستيفن ذكي ومخلص"
في المقابل، دافع ترامب عن ميلر واعتبره من أذكى من عملوا معه، مشيراً إلى أنه لعب دوراً كبيراً في تحقيق نجاحات "لا تُقدَّر بثمن" في مجال الأمن القومي خلال فترته الرئاسية السابقة. وأكد في تصريحات إعلامية أنه لا يتعجل اتخاذ القرار النهائي بشأن التعيين، وأنه يدرس عدداً من الأسماء، لكن ميلر يظل "الخيار الأقرب إلى قلبه"، على حد وصفه، ومن المرجّح أن يُحسم الأمر خلال الأشهر الستة المقبلة.
وأضاف ترامب: "أعرف ستيفن منذ سنوات، إنه مخلص، ذكي، ويفهم التهديدات التي تواجه أمريكا أكثر من أي شخص آخر. هو من النوع الذي لا ېخاف من قول الحقيقة، حتى عندما لا تكون مريحة".
دلالات سياسية عميقة
يرى محللون أن هذه الخطوة إنما تأتي ضمن مساعي ترامب لإعادة ترتيب طاقمه السياسي مبكراً استعداداً لمعركة انتخابية محتدمة في 2024. ويبدو أن ترامب يستند إلى قاعدة شعبية واسعة ما تزال تؤمن بشعاراته، خاصة في القضايا المرتبطة بالأمن والهجرة، الأمر الذي يعزز من احتمالية ترشيح شخصيات متشددة في مناصب حساسة.
وقد يكون اختيار ميلر بمثابة اختبار للناخب الأمريكي: هل سيقبل بعودة هذه الوجوه التي أثارت جدلاً واسعاً في السنوات الماضية، أم أن المزاج الشعبي سيتجه نحو وجوه أكثر توازناً وحكمة في التعامل مع الملفات المعقدة على المستوى الدولي والمحلي؟
خلاصة
عودة ستيفن ميلر إلى قلب دائرة صنع القرار في حال فوز ترامب، ستعيد بلا شك الجدل القديم حول طبيعة السياسات التي قد تتبناها الإدارة الجمهورية القادمة، ومدى التزامها بالتوازن بين الأمن والحقوق المدنية. فبينما يرى البعض أن ميلر يمثل نهجاً حازماً وضرورياً لحماية الأمن القومي، يرى آخرون أنه يعكس تياراً سياسياً إقصائياً قد يُعمّق الانقسامات الداخلية ويؤثر على صورة أمريكا العالمية.
في النهاية، تبقى الأسابيع والأشهر القادمة حبلى بالمفاجآت، خصوصاً في ظل استعدادات ترامب لتشكيل إدارته الثانية... إدارة يبدو أنها قد تكون، كما في السابق، خارجة عن المألوف.