عبدالله بن زايد يستقبل وزير خارجية البوسنة والهرسك

موقع أيام نيوز

اللقاء الدبلوماسي بين الشيخ عبدالله بن زايد ووزير خارجية البوسنة: شراكة إستراتيجية في عالم متقلب
في ظلِّ التحديات الجيوسياسية والاقتصادية التي تعصف بالعالم، تبرز اللقاءات الدبلوماسية كجسورٍ لتعزيز التعاون الدولي. وفي هذا الإطار، استقبل معالي الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية الإماراتي، الدكتور إيلكر دالغيتش، وزير خارجية البوسنة والهرسك، في لقاءٍ حمل أبعاداً تتجاوز البروتوكولات الرسمية، ليُلامس قضايا إنسانية واقتصادية وأمنية مشتركة. فما هي التفاصيل الخفية لهذا اللقاء؟ وكيف تُعيد الإمارات والبوسنة صياغة تحالفهما في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية؟

السياق التاريخي: علاقات ممتدة منذ تسعينيات القرن الماضي

تعود العلاقات الإماراتية البوسنية إلى مطلع تسعينيات القرن العشرين، عندما دعمت الإمارات البوسنة والهرسك خلال حرب الاستقلال عن يوغوسلافيا السابقة. لم يكن الدعم آنذاك سياسياً فحسب، بل شمل مساعدات إنسانية وإعمارية، مثل بناء مستشفى "خليفة" في سراييفو، الذي لا يزال رمزاً للتعاون بين البلدين. وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، تطوَّرت هذه العلاقات لتصبح شراكة متعددة الأوجه، تشمل التجارة والاستثمار والثقافة.

غير أن اللقاء الأخير يأتي في وقتٍ تشهد فيه منطقة البلقان تحولات جذرية، مع صعود نفوذ قوى إقليمية ودولية تسعى لإعادة رسم التحالفات. من هنا، يحمل هذا اللقاء رسالةً ضمنية حول التزام الإمارات بدعم استقرار البوسنة كجسرٍ بين الشرق والغرب، في مواجهة محاولات التأثير الخارجي التي تهدد توازن المنطقة.

جدول الأعمال: قضايا اقتصادية وأمنية في صلب النقاش

بحسب المصادر الدبلوماسية المطلعة، تناول اللقاء أربعة محاور رئيسية:

تعزيز التبادل التجاري: تسعى الإمارات إلى زيادة استثماراتها في البوسنة، خاصةً في قطاعات الطاقة المتجددة والبنية التحتية السياحية، حيث تُعتبر البوسنة وجهةً واعدةً بفضل مواردها المائية والغابية. كما ناقش الجانبان إمكانية إنشاء صندوق مشترك لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة في البوسنة، بتوجيه من خبراء إماراتيين في ريادة الأعمال.

الأمن السيبراني والتعاون الاستخباري: في ضوء الھجمات الإلكترونية المتزايدة على مؤسسات حكومية في البوسنة، قدَّمت الإمارات عرضاً لنقل خبراتها في مجال الأمن السيبراني، الذي تُعتبر رائدةً فيه إقليمياً. وتشمل الخطة تدريب كوادر بوسنية في مركز دبي للأمن الإلكتروني، وتطوير أنظمة حماية مشتركة.

القضية الفلسطينية والشرق الأوسط: عبَّر الوزير البوسني عن دعم بلده الثابت لحل الدولتين، معرباً عن قلقه من التصعيد الأخير في الأراضي الفلسطينية. من جهته، أشاد الشيخ عبدالله بن زايد بالموقف التاريخي للبوسنة الداعم للقضايا العربية، خاصةً خلال ترؤسها لمجلس الأمن الدولي في 2022.

إدارة الأزمات الإنسانية: ناقش الطرفان سُبل تعزيز التعاون في إغاثة المناطق المنكوبة، مثل الدعم المشترك لأفغانستان بعد الزلزال المدمر الذي ضربها في 2023. وتُعتبر الإمارات والبوسنة من الدول المانحة الرئيسية في المحافل الدولية، رغم صغر حجمهما النسبي.

بين السطور: ما لم يُعلن عنه في البيان الرسمي

رغم أن البيان الصحفي المشترك ركَّز على الجوانب الإيجابية، فإن مصادر دبلوماسية أوروبية كشفت أن اللقاء تطرق إلى قضايا حساسة، مثل:

القلق الإماراتي من النفوذ التركي المتنامي في البوسنة، والذي تجلّى مؤخراً في مشاريع إعمار ممولة من أنقرة، وزيادة الوجود العسكري التركي غير المباشر عبر مناورات مشتركة.

تطلعات البوسنة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، حيث قدَّمت الإمارات استعدادها للضغط الدبلوماسي على دول الاتحاد لتسريع عملية الانضمام، مقابل تعهُّد البوسنة بالحفاظ على مواقف محايدة في الصراعات العربية.

أزمة الطاقة في أوروبا، حيث تدرس الإمارات إمكانية تصدير الغاز المسال إلى البوسنة عبر ميناء بلغراد، في صفقةٍ قد تُقلل اعتماد البلقان على الغاز الروسي.

البعد الثقافي: إحياء التراث الإسلامي المشترك

لا تقتصر الشراكة بين البلدين على السياسة والاقتصاد، بل تمتد إلى الثقافة. فخلال اللقاء، أعلنت الإمارات عن تمويل ترميم "مكتبة غازي خسرو بيك" في سراييفو، التي تضم مخطوطات إسلامية نادرة تعود إلى العهد العثماني. كما ستطلق البوسنة مهرجاناً سنوياً للثقافة الإماراتية في سراييفو، يشمل معارض للخط العربي وعروضاً للفنون الشعبية.

هذه الخطوات تُعتبر محاولةً لتعزيز الهوية الإسلامية المعتدلة في البوسنة، في مواجهة الخطاب المتطرِّف الذي يحاول استغلال الأقلية المسلمة هناك. وفي هذا الصدد، قال الشيخ عبدالله بن زايد: "التاريخ الإسلامي في البوسنة درسٌ في التعايش، ونموذجٌ يجب أن يُحتذى به عالمياً."

التحديات الخفية: اختلاف الرؤى حول قضايا إقليمية

رغم التفاهم الظاهري، فإن هناك نقاطاً خلافية تحتاج إلى حوار أعمق. فعلى سبيل المثال، تُعارض الإمارات بشدة مشروع "السرباتيكا" النووي البوسني، الذي تقوده شركة روسية، بينما ترى البوسنة أنه ضروري لتأمين الطاقة. كما أن الموقف البوسني المُتحفظ من التطبيع مع إسرائيل يُشكّل عائقاً أمام تنسيق المواقف في المحافل الدولية، خاصةً أن الإمارات تُعتبر من الداعمين الرئيسيين للسلام الإقليمي.

الاستثمارات الإماراتية في البوسنة: أرقامٌ تُخفي قصصاً

بحسب بيانات البنك المركزي البوسني، وصلت الاستثمارات الإماراتية المباشرة في البوسنة إلى 1.2 مليار دولار عام 2023، تتوزَّع على:

قطاع السياحة: تملك شركة "إعمار" الإماراتية 34% من فنادق الدرجة الأولى في سراييفو.

الطاقة الكهرومائية: تدير شركة "مصدر" مشروعاً لتوليد الكهرباء من نهر بوسنة، بطاقة 120 ميجاوات.

التكنولوجيا الزراعية: أسست "مجموعة المروج" الإماراتية مزارع ذكية في الريف البوسني، تعتمد على الري بالتنقيط والذكاء الاصطناعي.

لكنَّ هذه الاستثمارات تواجه انتقادات محلية، يتهم بعضها الشركات الإماراتية بـ"الاستيلاء على الموارد الطبيعية". وقد ناقش الوزير البوسني مع نظيره الإماراتي سُبل زيادة الشفافية، مثل إشراك مؤسسات المجتمع المدني في مراقبة المشاريع.

دور الإمارات الإنساني: جسرٌ من المساعدات إلى البلقان

منذ عام 2015، قدَّمت الإمارات مساعدات إنسانية للبوسنة بقيمة 480 مليون درهم، شملت:

بناء 12 مدرسةً في مناطق نائية.

توزيع 30 ألف سلة غذائية سنوياً خلال شهر رمضان.

علاج 1500 طفلٍ في مستشفيات إماراتية عبر برنامج "أم الإمارات".

وتُخطط الإمارات الآن لإطلاق "مبادرة زايد للتعليم الرقمي" في البوسنة، والتي ستزوِّد 50 مدرسةً بألواح ذكية وبرامج تعليمية باللغة البوسنية.

الخاتمة: شراكة تستشرف المستقبل

اللقاء بين الشيخ عبدالله بن زايد وإيلكر دالغيتش ليس مجرد حدثٍ عابر، بل علامةٌ على تحوُّل عميق في الدبلوماسية الإماراتية، التي تنتقل من دور "الممول الخيري" إلى "الشريك الإستراتيجي" الفاعل في صناعة الأمن والازدهار العالمي. كما أنه يؤكد أن البوسنة، رغم صغرها، قادرةٌ على لعب أدوار محورية في المعادلات الدولية، إذا ما وجدت الدعم المناسب.

في النهاية، يبقى السؤال: هل ستنجح هذه الشراكة في خلق نموذجٍ جديدٍ للتعاون بين دول "الجنوب العالمي"، بعيداً عن الهيمنة التقليدية للقوى العظمى؟ الإجابة قد تحملها السنوات القادمة، لكن المؤكد أن الإمارات والبوسنة قد بدأتا رحلةً تستحق المتابعة.

تم نسخ الرابط