تسليم لبنان صور أقمار صناعية هل اقتربت حقيقة تفجير مرفأ بيروت؟
في خطوة مفاجئة حملت الكثير من الأبعاد السياسية والأمنية، أعلنت جهات دولية مؤخرًا عن تسليم لبنان صور أقمار صناعية توثق لحظة تفجير مرفأ بيروت الذي وقع في 4 أغسطس 2020، وأسفر عن مقټل أكثر من 220 شخصًا وچرح الآلاف، فضلًا عن دمار واسع النطاق في قلب العاصمة اللبنانية. هذا التطور، الذي انتظره اللبنانيون طويلاً، يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التحقيق، ويثير في الوقت نفسه تساؤلات عميقة حول سبب تأخر الكشف، ودور المجتمع الدولي، وحدود العدالة في بلد يعاني من اڼهيار مؤسساتي شامل.
ما أهمية صور الأقمار الصناعية في التحقيق؟
في القضايا الكبرى ذات الأبعاد الجيوسياسية، غالبًا ما تلعب صور الأقمار الصناعية دورًا حاسمًا في الكشف عن ملابسات الأحداث، خصوصًا عندما تكون الروايات الرسمية ضعيفة أو متناقضة. في حالة تفجير مرفأ بيروت، فإن تحليل الصور التي تم التقاطها من الفضاء قبل الانفجار بلحظات أو أثناءه، قد يساعد على تحديد:
إن كانت هناك طائرة مسيّرة أو نشاط جوي غير طبيعي في محيط المرفأ.
ما إذا كانت هناك حرائق سابقة متعمدة قبل التفجير.
حجم المادة المنفجرة وموقعها بدقة، وبالتالي فهم طبيعة الانفجار.
حتى الآن، يقال إن الصور التي حصل عليها لبنان تعود لعدة دول، منها فرنسا، وروسيا، وربما الولايات المتحدة، وهي جهات كانت تمتلك قدرات مراقبة فضائية فورية في ذلك اليوم.
التأخر في التسليم: هل هو صدفة أم مقصود؟
التحليلات تميل إلى اعتبار أن التأخير لم يكن تقنيًا، بل سياسيًا بامتياز. فالكثير من الدول الكبرى تتعامل مع صور الأقمار الصناعية كـ أدلة استراتيجية، لا تُكشف إلا إذا توفرت إرادة سياسية لذلك. وقد تكون هذه الدول احتفظت بتلك الصور كورقة ضغط، أو تجنّبًا لإحراج حلفاء سياسيين داخل لبنان.
انفجار أم تفجير؟ سؤال لم يُحسم بعد
منذ اللحظة الأولى، انقسمت الرواية حول ما حدث في المرفأ. الرواية الرسمية تتحدث عن حريق عرضي أدى إلى تفجير 2750 طنًا من نترات الأمونيوم كانت مخزنة بطريقة غير آمنة. لكن الروايات البديلة - المدعومة بتحقيقات استقصائية ومصادر استخباراتية - تشير إلى احتمال تفجير متعمّد، أو على الأقل وجود عنصر خارجي ساهم في إشعال الفتيل.
في هذا السياق، يمكن أن تلعب صور الأقمار الصناعية دورًا حاسمًا في الحسم بين هذين الاحتمالين. فإذا أظهرت الصور مثلًا وميضًا صاروخيًا أو دخول جسم غريب إلى العنبر رقم 12، فهذا قد يغير وجه التحقيق بالكامل.
التحقيق القضائي: بين الجمود والاختراق
منذ بدء التحقيق في تفجير مرفأ بيروت، اصطدم المسار القضائي بعقبات كثيرة، أبرزها التدخلات السياسية، والتعطيل المتعمد من قبل جهات نافذة. القاضي طارق البيطار، الذي يقود التحقيق، واجه ضغوطًا واټهامات وصلت حد تهديده، وتم تعليق عمله مرارًا. بل إن بعض القوى السياسية اعتبرت أن مسار التحقيق "مسيس"، خاصة بعد أن اتهم البيطار مسؤولين كبارًا، من وزراء وقادة أمن.
اليوم، ومع تسليم صور الأقمار الصناعية، قد يجد القضاء اللبناني نفسه أمام فرصة نادرة لكسر جدار الجمود القضائي، وفتح مسارات جديدة. لكن هذا يتوقف على مدى شفافية التحقيق، وقدرة القضاء على حماية الأدلة من التسييس أو الطمس.
البعد الدولي: عدالة أم تدخل؟
انفجار مرفأ بيروت لم يكن مجرد کاړثة محلية. فقد هزّ الرأي العام العالمي، وأعاد تسليط الضوء على الفساد المستشري في مؤسسات الدولة اللبنانية. ولهذا، كانت هناك دعوات متكررة إلى تحقيق دولي مستقل، وهو ما رفضته قوى لبنانية، معتبرة أنه انتهاك للسيادة.
لكن تسليم صور الأقمار الصناعية اليوم، يضع الدول الكبرى أمام اختبار جديد: هل هي مستعدة لكشف الحقيقة كاملة؟ أم أن ما تقدّمه هو محاولة احتواء الڠضب وتمييع الملف بطرق جديدة؟
الأهم من ذلك، هل ستحظى هذه الصور بثقة اللبنانيين؟ أم ستُعتبر مجرد محاولة لتقديم "أدلة ناقصة" لا تُدين أحدًا؟
الرأي العام اللبناني: تعب، لكن لا ينسى
منذ وقوع التفجير، يعيش اللبنانيون في حالة ڠضب وكآبة مستمرة، يرافقها شعور عميق بالخذلان. عشرات العائلات فقدت أحباءها، وآلاف الچرحى لا يزالون يعانون جسديًا ونفسيًا. ومع مرور الوقت دون محاسبة أو كشف للحقيقة، ترسّخ لدى كثيرين اعتقاد أن العدالة لن تأتي من الداخل، وربما لا تأتي من الخارج أيضًا.
لكن تسليم الصور الفضائية أعاد بعض الأمل بأن حقيقة ما قد تظهر، وأن الضغط الشعبي المستمر يمكن أن يؤدي إلى اختراق ما، ولو بسيط، في جدار الصمت.
ما بعد الصور: هل تفتح الأبواب المغلقة؟
لا تكفي صور الأقمار الصناعية وحدها لإدانة أحد، لكنها قد تكون بداية خيط يمكن تتبعه. فكل صورة تحتاج إلى تحليل تقني دقيق، ودمجها مع معطيات أخرى: تسجيلات كاميرات المراقبة، بيانات الرادار، شهادات شهود العيان، وتحقيقات الأجهزة الأمنية.
إن قدرة القضاء اللبناني على توظيف هذه الصور بفعالية ستحدد إن كانت هذه الخطوة مجرد محاولة للتهدئة، أم بداية حقيقية لكشف الحقيقة.
صور من السماء.. فهل تفضح من في الأرض؟
يبدو أن العدالة في لبنان لا تسير إلا تحت ضغط، ولا تتحرك إلا حين تتدخل عوامل خارجية. صور الأقمار الصناعية قد تكون أداة ضغط جديدة، لكنها في النهاية مجرد أدلة صامتة. من يقرأها؟ ومن يمتلك الشجاعة لترجمتها إلى اټهامات واضحة؟ هذه الأسئلة وحدها كافية لتبيان أن الطريق إلى العدالة لا يزال طويلًا، لكنه ربما لم يعد مسدودًا تمامًا.