ماكرون يدعو العلماء إلى فرنسا بعد تقليص تمويل الجامعات الأمريكية
ماكرون يدعو العلماء إلى فرنسا بعد تقليص تمويل الجامعات الأمريكية
في ظل قرار الإدارة الأميركية الجديدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب بتقليص التمويل الفيدرالي للبحوث الأكاديمية في الجامعات الأميركية أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم 18 أبريل 2025 دعوته للعلماء من مختلف أنحاء العالم إلى العمل في فرنسا أو أوروبا عبر مبادرة جديدة تحمل اسم اختروا فرنسا للعلوم بهدف تعويض الخسائر المحتملة في مساراتهم البحثية، تأتي هذه الخطوة في سياق موجة استقالات وطرد لمئات الباحثين من المؤسسات الأميركية ما أثار قلقا كبيرا حول مستقبل الحريات الأكاديمية والتمويل البحثي في الولايات المتحدة، وردا على ذلك أطلقت فرنسا منصة إلكترونية تديرها الوكالة الوطنية للبحث ANR تمنح مؤسسات التعليم العالي والبحث إمكانية التقدم للحصول على تمويل مشترك لاستضافة العلماء في مجالات حيوية مثل الصحة والتغير المناخي والذكاء الاصطناعي والطاقة منخفضة الانبعاثات والبنى الرقمية وغيرها.
خلفية تقليص التمويل في الولايات المتحدة
شهدت أشهر التسعينيات والعقد الأول من القرن الواحد والعشرين نظام تمويل فيدرالي يعزز أبحاث الجامعات الأميركية لكن سياسة الرئيس ترامب الحالية شرعت في خفض موازنة الوكالات البحثية الكبرى مثل المعاهد الوطنية للصحة NIHوالوكالة الوطنية للعلوم NSF والسماح بإقالة مئات الباحثين غير المثبتين عقودهم، وبرر البيت الأبيض هذه الخطوات بأنها ضرورية لخفض العجز الفيدرالي وإعادة توجيه الموارد نحو أولويات حكومية أخرى لكن النقابات الأكاديمية والجمعيات الطلابية اعتبرتها محاولة لاستهداف المواقف التقدمية وإسكات الأصوات المنتقدة لسياسات الإدارة الأميركية، وفقا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز فإن كثيرا من المراكز البحثية الكبرى في الولايات المتحدة تعاني من حالة عدم استقرار تنظيمي ومالي دفعت بعض الباحثين إلى إعادة التفكير في مساراتهم المهنية وانتظار فرص جديدة في الخارج.
مبادرة اختروا فرنسا للعلوم والدعوة الرسمية
في تغريدة نشرها الرئيس ماكرون على منصة إكس يوم 18 أبريل 2025 شدد على أن العلوم بلا حدود في فرنسا وأوروبا داعيا الباحثين من حول العالم للاختيار بينها
هنا في فرنسا البحث أولوية والابتكار ثقافة والعلوم أفق لا نهائي. يا باحثين من كل أنحاء العالم اختروا فرنسا اختروا أوروبا!.
وعلاوة على ذلك أطلقت الوكالة الوطنية للبحث ANRمنصة Choose France for Science في مايو 2025 تتيح للمؤسسات الأكاديمية والبحثية تقديم مشاريع استضافة لعلماء دوليين مع تقديم تمويل حكومي يشارك في تغطية تكاليف الإقامة والرواتب والمستلزمات البحثية، وتشمل المجالات المستهدفة
- البحوث الصحية وأدوية المستقبل.
- التغير المناخي وحماية التنوع البيولوجي.
- الذكاء الاصطناعي والبيانات الكبرى.
- الطاقة منخفضة الكربون والتنمية المستدامة.
- النظم الرقمية والاتصالات الفضائية.
استجابة الباحثين والمبادرات المحلية
لم تمر الدعوة مرور الكرام إذ سجلت جامعة إيكسمرسيليا في أسبوع واحد نحو 298 طلبا من باحثين أمريكيين وغيرهم للاستفادة من برنامج المأوى العلمي الذي أطلقته الجامعة في مارس 2025 واعتمد منها 242 طلبا يشملون باحثين من مؤسسات مثل NASA وييل وستانفورد بالإضافة إلى علماء من الهند والبرازيل وأوروبا، وفي مبادرة موازية أعلنت جامعة CentraleSupélecتخصيص 3 2 مليون دولار لدعم أبحاث وقف تمويلها في الولايات المتحدة ما يعكس جدية العرض الفرنسي وجذب الباحثين المتضررين.
كما أعلنت كل من المفوضية الأوروبية ومجلس البحوث الأوروبي ERC عن زيادة التمويل المخصص لاستقطاب علماء أمريكيين بمقدار مليوني يورو إضافية كحد أقصى للمنح مع تسهيلات في التأشيرات ووضع قانوني خاص للباحثين النازحين.
الأهداف والتطلعات المستقبلية
تسعى فرنسا من خلال هذه المبادرة إلى
1. دعم الحريات الأكاديمية وضمان استقلالية البحث العلمي بعيدا عن الضغوط السياسية.
2. رفع تنافسية الجامعات الفرنسية وجذب الكفاءات العليا لتعزيز قدراتها البحثية والابتكارية.
3. تعزيز التعاون الدولي عبر فتح آفاق للتبادل العلمي مع أفضل مراكز الأبحاث العالمية.
ويرى القائمون على البرنامج أن الفرصة سانحة لتحقيق طفرة نوعية في شبكة الشراكات البحثية الأوروبية خصوصا في مجالات التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة ما قد يساهم في إطلاق مشاريع مشتركة ذات أثر اقتصادي واجتماعي واسع.
تحديات محتملة
رغم الإقبال الكبير تواجه المبادرة تحديات عدة منها
- تكاليف المعيشة العالية في المدن الفرنسية الكبرى التي قد تثقل كاهل الباحثين والعائلات المصاحبة.
- حاجز اللغة في بعض التخصصات الإدارية والاجتماعية رغم انتشار اللغة الإنجليزية في الأوساط الأكاديمية.
- الالتزامات الإدارية ومتطلبات التأشيرة التي قد تستغرق وقتا طويلا في معالجة الملفات.
يجسد عرض ماكرون للعلماء دعوة استراتيجية لانتعاش البحث العلمي في فرنسا وأوروبا عموما واستثمارا ذكيا في قوة العقل البشري لتجاوز أزمات التمويل الموروثة، ومع استمرار الانكماش المالي في بعض الدول تبدو المنافسة العالمية على أدمغة الباحثين أكثر حدة من أي وقت مضى وما تقدمه فرنسا اليوم هو رسالة واضحة أن الأماكن التي تحترم حرية الفكر والبحث ستكون دائما مقصدا للراغبين في الابتكار والتأثير الإيجابي على مستقبل البشرية.