قاضٍ يصف العزف في ساحة ليستر بالټعذيب النفسي

موقع أيام نيوز

العزف الموسيقي في ساحة ليستر: بين حرية التعبير و"الټعذيب النفسي" – رؤية قانونية واجتماعية

في تطور لافت أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية والقانونية في بريطانيا، وصف أحد القضاة البريطانيين العزف الموسيقي المستمر في ساحة ليستر بوسط لندن بأنه "شكل من أشكال الټعذيب النفسي"، وذلك في إطار حكم قضائي صدر مؤخرًا ضد عدد من العازفين الذين يمارسون هوايتهم بشكل يومي في الساحة العامة.

ورغم أن ساحة ليستر تُعرف منذ عقود بأنها مركزٌ للفنون والترفيه والموسيقى الحية، إلا أن هذه التصريحات القضائية فتحت الباب لنقاش كبير حول حدود حرية التعبير الفنية، وحق السكان المحليين في بيئة سكنية هادئة، ومدى التداخل بين الفن والإزعاج العام.

ساحة ليستر: ميدان الفن والتعبير الحر

تقع ساحة ليستر في قلب لندن، وتُعد من أشهر الساحات السياحية والثقافية في المملكة المتحدة. تتميز بوجود المسارح الكبرى ودور السينما، إلى جانب الفنادق والمقاهي التي تجتذب الزوار من كافة أنحاء العالم. ومنذ عقود، أصبحت الساحة موقعًا مفضلاً للعازفين المستقلين، الذين يعزفون أمام المارة طمعًا في إعجاب الجمهور وبعض التبرعات.

ومع ذلك، فإن التوسع الكبير في أعداد هؤلاء الموسيقيين واستخدامهم لمكبرات الصوت وتكرار الأغاني بصوت مرتفع لعدة ساعات يوميًا، دفع بعض سكان المنطقة وموظفي المكاتب القريبة إلى تقديم شكاوى رسمية متكررة إلى مجلس المدينة، مشيرين إلى تدهور بيئة العمل والمعيشة.

تفاصيل القضية والحكم القضائي

القضية المٹيرة للجدل نُظرت أمام المحكمة المحلية في لندن بعد أن تم تسجيل أكثر من 300 شكوى خلال الأشهر الستة الماضية، معظمها تتعلق بعازف بعينه يستخدم مكبر صوت كبير ويعزف موسيقى صاخبة لساعات متواصلة في النهار، مما تسبب -بحسب المتضررين- في فقدان التركيز، التوتر النفسي، وصعوبات في النوم.

وخلال جلسة المحكمة، أشار القاضي إلى أن "ما يمارسه هذا العازف، رغم كونه في إطار فني، لا يندرج ضمن حرية التعبير، بل يصل إلى مستوى الټعذيب النفسي المستمر للآخرين، خاصةً عندما يُفرض فرضاً على سكان المنطقة بشكل يومي ومن دون موافقتهم".

وأصدر القاضي قراراً بمنع العزف في الساحة باستخدام مكبرات الصوت بين ساعات العمل، مشدداً على ضرورة إيجاد توازن بين حرية الفنانين وراحة السكان.

ردود الأفعال: فنانون ضد الحكم

قرار المحكمة أثار ڠضب الكثير من الفنانين والناشطين في مجال حرية التعبير، حيث اعتبروه "تقييداً صارخاً للفن في الفضاء العام". وقال أحد الموسيقيين المتضامنين مع العازف المدان: "إذا بدأنا بوصف الموسيقى بأنها تعذيب، فما الذي سيتبقى من الفن؟ نحن لسنا مجرمين، نحن نحاول جلب البهجة للمارة."

وأضافت إحدى الفرق الموسيقية التي اعتادت العزف في الساحة: "صحيح أن بعض العزف قد يكون صاخباً، لكن هذا لا يبرر التوصيف القاسې الذي استخدمه القاضي. كان يمكن تنظيم الأمر لا منعه."

السكان: الموسيقى تحولت إلى إزعاج مزمن

على الجانب الآخر، عبّر العديد من السكان والموظفين القاطنين في المنطقة عن ارتياحهم للحكم القضائي، مشيرين إلى أن الضوضاء المستمرة سببت لهم مشكلات صحية ونفسية. وقالت موظفة تعمل في مكتب قريب: "نحب الموسيقى، لكن لا يمكننا التركيز على عملنا بسبب هذا الضجيج. نحن لسنا ضد الفن، بل ضد الفوضى".

وقال أحد السكان الذي قدم شكوى سابقة: "لقد جربت سدادات الأذن، ونقلت مكتبي من الغرفة المطلة على الساحة إلى الجزء الخلفي من الشقة، لكن الصوت لا يزال يخترق الجدران. كان الأمر لا يُحتمل."

الإطار القانوني: ما هي حدود حرية الفن؟

في المملكة المتحدة، تُعد حرية التعبير من الحقوق الدستورية المكفولة بموجب القانون الأوروبي لحقوق الإنسان. ومع ذلك، فإن هذه الحرية ليست مطلقة، بل يجب موازنتها مع حقوق الآخرين، كحق السکينة والصحة العامة.

ويقول خبير القانون العام في جامعة لندن، الدكتور ريتشارد لويس: "ما فعله القاضي يدخل في إطار سلطته التقديرية لحماية المصلحة العامة. الموسيقى فن، نعم، لكن عندما تتحول إلى ضجيج مستمر يؤثر على الصحة النفسية، فإن من واجب القانون التدخل."

الحل الممكن: تنظيم لا منع

يرى مراقبون أن الحل ليس في منع العزف بشكل كامل، بل في تنظيمه. ويمكن لمجلس المدينة أن يحدد مناطق مخصصة للعزف الحر، وساعات معينة، ومستوى صوت مسموح به، مما يحفظ حق الفنانين وراحة السكان على حد سواء.

وقد أشار المجلس المحلي بالفعل إلى نيته إصدار قوانين جديدة تنظم أداء الموسيقيين في الأماكن العامة، بما يشمل التراخيص، ومواقع الأداء، وشروط استخدام مكبرات الصوت.

قضية "العزف في ساحة ليستر" فتحت الباب لنقاش معقد حول حدود الفن وحرية التعبير، وحق المجتمعات في الهدوء. ففي عالم يسعى إلى التوازن بين الحرية والمسؤولية، يبدو أن كل طرف يحتاج إلى أن يسمع الآخر لا أن يطغى عليه.

فهل ستكون هذه القضية بداية لتشريع جديد يحمي الجميع؟ أم أنها سابقة قضائية ستستمر في إثارة الجدل بين محبي الفن والمدافعين عن راحة المجتمع؟

تم نسخ الرابط